تسللتُ بين ثنايا الذوات، باحثًا عما إذا كان الاتفاق سيناسبها أم الاختلاف، فما وجدت ذات انفردت بهذا أو بذاك، على الأرجح إن الاتفاق مع الذات، أو الاختلاف معها هو نسبي، فلا يوجد اتفاق أو اختلاف تام، لكن الطبيعي هو أن يجتمع في الذات الاختلاف والاتفاق بمعدلات مختلفة، فالذات التي جمعت بينهما أعلنت كسر حاجز الانفراد والتوحد، رافعة راية الجمع بين مشارق ومغارب النفوس، حجزت لكم تذاكر طيران إلى أشخاصكم لنطوف سويًا حول ذواتنا؛ لاستبيان بواطن المجريات.

لا فرق بين ذات الأمي، وذات المتعلم في بلوغ نصيب من الرفعة، والمكانة أو ربما السلطة، إلا في أن المتعلم يستخدم الأحاجيج المنطقية والفذلكات الفلسفية، في حين أن الأمي يستخدم الخنجر والسكين، لكن كلاهما يسعيان لنفس الغاية، لكن باختلاف السبل؛ واختلاف السبل هنا لا يعني ثمة نضج بين هذا أو ذاك، فالنضج لا يكون نضجًا في المغريات، فالنفس بطبعها تميل لمثل ذلك من الأفعال، لا أحكم على التفرقة بينهما بالحتمية، قدر ما الحكم بينهما نسبي، كذلك الزهد والترفع عن أشياء يقتضي عليك الترفع عنها، لا يعني أنك أصبحت زاهدًا.

يُحكى من قديم الزمان إن ثمة نهر في إحدى القرى به مادة مخدرة؛ أصابت كل شارب من مياه الأنهار بالجنون عدا الملك، ظل أهل هذه القرية يتهامسون فيما بينهم بأن الملك لا بد من أن يُعزل، فاضطر الملك أن يشرب من النهار خشية العزل.

إن من العقل أن تكون مجنونًا أحيانًا، فهنا ثمة توافق واتفاق بين نفوس البشر جميعًا، قال «عبد الله بن مسعود»: « مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ؛ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ». قول ابن مسعود فيه دلالة على الحديث الضعيف عن الرسول حيث قال: – صلى الله عليه وسلم – «نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم».

لكن على النقيض قصة ابن أحد الملوك، الذي ولد بأذنين في الوقت الذي كان فيه كل أطفال القرية لا يملكون إلا أذنًا واحدة؛ فاضطرّ ذلك الطفل إلى قطع أذنه، ليسلم من القيل والقال. أحيانًا تكون مُلزمًا بالترفع عن تُرَّهات البعض، وإن المخاطبة لا يشترط أن تكون دائمًا على قدر عقول البشر؛ لأنه ثمة بشر لا يمتلكون عقولًا، ويعتنقون من الأفكار كل ما هو دون الطبيعي.

إن الإنسان مجبول على أن يرى الحقيقة حسب مصلحته الشخصية، ومألوفات محيطه، فما إذا اتفقت الحقيقة مع مألوفات محيطه كانت كذلك، أما إذا لم تتفق مع مصلحته فيعز عليه حينها أن يعترف بها.

ثمة تفاوت ما بين الأشخاص في عملية النهي، فمنهم من يتبع مبدأ «ما ينه عنه يرغب فيه»، أولئك أشبه بسائقي الميكروباص، ما إن تحدثه بأنك قد وصلت محطتك، لا يقف لك إلا في المحطة التالية، وكأنه لا يصدقك، ويصعب عليه الاقتناع بحديثك، لا شك في أن أسلوب النهي يستخدم كثيرًا في جذب الجمهور، فمثلًا الرسائل العسكرية لو لم يكتب عليها سرية جدًا، أعتقد إنها طريقة عملية؛ لبلوغ مقصدها بطريقة سهلة جدًا، ولن تحتاج حينها إلى نقلها في طائرات حربية مجهزة، أي لن تجد في طريقها عواقب.

أما النوع الآخر الذي يسلم النهي، أحيانًا قد يكون صائب الرأي، وأحيانا قد لا يكون؛ فالتسليم المفرط بالنهي يخلق نفوذًا ديكتاتورية الرأي لدى الناهي، فأن تكون دائمًا مطيع لا تجادل فهذا يعني أنك أمام مفترق طرق.

لو طرحت على أحدهم سؤالًا، من يصلح لقيادة الأمة العربية؟ ستتباين الآراء والأفكار حول من يصلح، لكن حتمًا ستجتمع كل الآراء والأفكار حول فكرة واحدة وهي الخير؛ الشعوب العربية جميعها تحتاج إلى الخير، لكن ما الفائدة التي ستعود علينا ما لم نعرف كيف نبلغ كل تلك الصفات السوية؟! لماذا لا نقترح طرق البلوغ؟

«لا بد أن تجاري الأفكار الطبيعة، لا أن تجاري الطبيعة الأفكار».

دائمًا ما نجد اختلافًا بين الناس فيمن يتبعون الجزء الأول، ومن يتبعون الجزء الثاني؛ فمثلًا كلا الفريقين يدعو إلى الخير، وإن الخير لا بد منه ليستقيم العالم، فيضع الفريق الأول أفكارًا تحاكي الواقع وتجاريه، أي أنها موضع تطبيق، على عكس الفريق الآخر فهو يدعو إلى الخير لكن دون أن يضع طرق الوصول إليه.

لو تلقينا على فهم ما يقصده القائل، وتركنا جانبًا الظنون لما لبسنا ثوب إنكار ذات القائل، ورميه بما لم يقل.