«- فاوست: كلا، لست أنكر جميلك. أتدري ما أكبر جميل لك عندي؟
– الشيطان: هيه؟
– فاوست: أنك زدتني إيمانا بالله، وما شهدت الحقيقة الكبرى إلا بعد ما عرفتك.»

من مسرحية فاوست الجديد لعلي أحمد باكثير.

كان مدخل الشيطان لنفس فاوست هو الحالة العبثية اليائسة التي وصل إليها فاوست باكثير بعد هجر حبيبته له. وعندما أوشك على الانتحار بالسم ليريح نفسه من العذاب ظهر له الشيطان في حجرته ليثنيه، وليعقد معه اتفاقا يمنح بموجبه فاوست روحه للشيطان، ويعطيه الشيطان في مقابل ذلك كل ما يريده من القوة والغنى والشباب والعلم الشامل. ثم تسير العلاقة بينهما طوال المسرحية في اتجاه عكسي متطور إلى الشك ثم الخلاف والعداء، بعد أن بدأت بالرضا والوفاق. انطلق به الشيطان إلى أغوار الفضاء السحيق بين الكواكب والنجوم، وأخذه إلى أعماق البحار ليطلعه على عجائب الأسرار. كشف له عن فتوحات علمية عظيمة أبهرت الجميع، حتى كاد الناس أن يعبدوا فاوست من دون الله. ثم جاءت اللحظة التي أدرك فيها الشيطان أنه سيعادي فاوست، وأنه لن يسير في المخطط المرسوم له عندما رفض فاوست إغواء هيلين الإغريقية وردد في فرح عظيم ونشوة غامرة: الله الله الله، قد رأيت نور الله. فما كان من الشيطان بالفعل إلا تحريض بارسيليز صديق فاوست على قتله، فيقتله طمعًا في نيل مكانته وبيع روحه للشيطان.

إذن استطاع فاوست التوبة وهزيمة الشيطان. كانت المفارقة أن الشيطان بخداعه المعتاد أشهد الله على العقد الذي بينه وبين فاوست، فلما نكث بعهده ثم حاول الاستيلاء على روح فاوست، في الختام منعته الملائكة لاعنين له (أنسيت يا إبليس أنكما جعلتما الله بينكما شهيدًا؟ ). وبذلك أوقع الشيطان نفسه في مناوراته وألاعيبه التي أفشلت مسعاه النهائي وهو الحصول على روح فاوست. بل كان سببًا في توجيه فاوست لطريق الخير بعد أن أوشك الأخير على الانتحار في الفصل الأول وهو لم يعرف الله بعد. إن العند والإصرار الشيطاني على إضلال البشر هو وقود السير والعودة إلى الله. فبينما كان فاوست يتقلب في المتع الحسية التي وهبها له الشيطان تاركًا بقعة الظلام تزحف على روحه، كانت بقعة النور تولد في داخله من رحم الإثم والخطيئة (وجدتني وسط حلقة من النور تدور بسرعة هائلة حتى احتضنت الوجود كله). بالطبع رفض الشيطان أن يطيل أمد هذه اللحظة الكاشفة له، لأنها ستؤدي بفاوست إلى الله وتكفره بضلال الشيطان. اعتقد إبليس أن لحظات الرذيلة خالدة، ولم يفهم تقلب الطبيعة البشرية وسعيها الدائم للمعرفة.

«ليتني حقًا لا أؤمن به. واأسفاه ليس في الوجود من يؤمن بالله أشد من إيماني به». كان الشيطان محقًا في قوله وهو يخاطب فاوست باكثير. كما كان الشيطان في قصة «الشهيد» لتوفيق الحكيم ضمن مجموعة قصصية بعنوان «أرني الله» يؤمن بنفس القول. تبدأ القصة بتوجه إبليس إلى قصر بابا الفاتيكان وقت احتفالات عيد الميلاد وألحان هاندل وباخ الدينية تصدح حوله حتى التقى بالبابا الذي ارتجف من مجيئه ليفاجأ بطلب واحد من الغرابة بحيث لا يمكن أن يخطر على بال بشر.. إنه التوبة (جئت أركع عند قدميك لتعمدني بيديك، وتدخلني في الدين، وستراني من خيرة أبناء الكنيسة المخلصين). ثم يتوجه إلى حاخام اليهود ثم إلى شيخ الأزهر ليقابل طلبه بالرفض في جميع الحالات. (هل سيمضي الناس في قولهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لو دخل إبليس في دين الله لاستتبع ذلك إلغاء قدر عظيم من الذكر الحكيم يحذر من رجس الشيطان وكفره). هكذا فكر شيخ الأزهر وهو يتأمل في طلب الشيطان.

لجأ الشيطان إلى السماء مخذولا كاسفًا بعد أن تحرق شوقًا إلى الخير وهو يراه في أعمال الطيبين من الناس ليستقبله جبريل عليه السلام باللعنة (يجب أن تظل ملعونًا إلى آخر الزمان .. إذا ما زالت اللعنة عنك زال كل شيء).
إبليس: ما عدت أستطيع.. أذيقوني الخير.
جبريل: الخير محظور عليك، حذار أن تمد إليه يدك.
إبليس: شجرة محرمة؟
جبريل: عليك نعم.. ولن تجد ما يعينك على عصيان هذا الأمر.. كما عاونتك حواء من قبل.. يوم أذاقت آدم من شجرة الشر.
إبليس: أليست هناك رحمة ومغفرة؟
جبريل: ليس للرحمة ولا المغفرة أن تمسا نظام الخليقة.

كان فاوست باكثير مخيرًا مع الجبر، حرًا مع التسيير ،لا يعرف مصيره بعد. فكان من الطبيعي أن يجد الله عرفانًا وبرهانًا بعد أن احتفظ بشيء من إرادته أمام تيار الملذات العارم. مكنته الإرادة من الصمود في وجه الشيطان وهو يحتضر، كما مكنته سابقًا من رفض إغراءات الشيطان الحسية. هداه عقله وغريزته إلى أن (الله وحده هو الموجود). أما شيطان الحكيم فكان مجبرًا مسيرًا محدد المصير فات وقت الاختيار لديه. كانت آخر مرة اختار فيها يوم أن رفض السجود لآدم عليه السلام، حكم عليه الله بالعذاب المهين ثم أنظره ليمتحن البشرية كلها حتى يوم معلوم. حقق فاوست التوبة لأن بابها لم يغلق في وجهه بعد، أما شيطان الحكيم فمشكلته أنه لم يجئ متأخرا للتوبة كما اعتقد بل (جئت قبل فوات الأوان.. ليس لك الساعة أن تغير النظام الموضوع.. ولا أن تقلب ما استقر من أوضاع.. إن الناس لا يرون نور الله إلا من خلال ظلامك).