للذاكرة أمور عجيبة لا ندرك كنهها، تعود بنا إلى أوقات لا ندري كيف نتذكرها، تُمرر علينا مواقف مباغتة. ذات يوم جعلتني بلا سبب وبدون سابق إنذار، أتذكر «نفيت واستوطن الأغراب في بلدي، ودمروا كل أشيائي الحبيبات». لم أتذكر الجملة هكذا مجردة بدون شيء، ولكن بصوت «كاظم الساهر»، حيث يظهر به مسحة الحزن حين يُغنيها وأرددها كثيرًا كثيرًا.

لكن حينما أحاول أن أعود بها محاولًا تذكر بداياتي في قراءة الشعر، أو هل كانت لدي ميول خلال قراءاتي الأولى تجاه الشعر؟ تخونني ولا تسعفني، وتتركني في حيرة من أمري، ولا أتذكر سوى تلك القصائد المقررة علينا بالمناهج الدراسية، التي كنت أحفظها بدون رغبة مني.

تلك علاقتي الوحيدة به قبل المرحلة الثانوية، حين عدت للقراءة مرة أخرى على استحياء بعد انقطاعي فترة من الزمن. بدأت أستمع إلى الأغاني من وقت لآخر، لكنني لم أجد فيما أسمع ما يجذبني، حتى أكمل الأغنية إلى منتهاها.

ذات يوم حينما كنت أتصفح «اليوتيوب»، وقع تحت يدي فيديو أغنية لـ«كاظم الساهر»، لم أكن أستمع إليه ولكني كنت أعرفه جيدًا. هذا صاحب أغنية «دلع»، الأغنية المفضلة إليّ، غير مدركٍ حينها سوى اسمه. لا أذكر أي أغنية عثرت عليها أولًا، أكانت «آه يا عرب»، أم «حافية القدمين». لكن أذكر جيدًا الحالة التي كانت تتركني بها كلا الأغنيتين فرحًا كان أم حزنًا.

في إحدى الأيام كنت منتظرًا مع أصدقائي قدوم المعلم لبدء حصة الدرس، كنا نتناقش في أمر ما، وتحول الحديث إلى «عبد الحليم» وأغنيته «قارئة الفنجان»، والهجوم عليه وعلى صاحب القصيدة؛ سألت بفضول من صاحب القصيدة؟، أجابني أحدهم بدهشة «نزار قباني». سألت مرة أخرى لجهلي «مين نزار؟»؛ كان الرد لا يخلو من دهشة تفوق سابقتها، «إزاي متعرفوش دا الكل يعرفه». شعرت بنوع من الجهل غير المبرر.

عدت إلى البيت والموقف لم يفارقني، ورغبتي الجامحة لمعرفة مَنْ هذا الشاعر الذي يعرفه الجميع وأجهله. بحثت عنه على الإنترنت، علمت بعض المعلومات من نتائج البحث والتي كان منها؛ إن كثيرًا من المطربين العرب قد غنوا له، وكان على رأسهم «كاظم الساهر» لكثرة ما غناه له. حاولت قراءة بعض من شعره لم أستسغه حينها، فأغلقت الموقع الذي كنت أقرأ عليه القصائد.

أثناء بحثي أعتقد بأني قرأت الاسم سابقًا، ولكني لا أدرك أين؟! بإحدي الأيام حين كنت شاهدت الفيديو الخاص بـ«حافية القدمين»، وجدت اسم «نزار قباني» ببدايته، حينها أدركت سبب الاعتقاد السابق .

على غير عادة الكثير إن سألتهم – من يستمعون إلى «كاظم» ويقرؤون «نزار» – من عرفك بالثاني؟ يجيبون «نزار» عرفنا إلى «كاظم الساهر»، ولكني في حالتي العكس تمامًا. استمعت إلى العديد من أغاني «كاظم» المغناة لـ«نزار»، كنت أبحث عن صاحب القصيدة ولكني لم أقرأ له بعد. بكثرة ما سمعت واستمتعت؛ وجدتني أقرأ «نزار»، أقرأ الكثير والكثير من قصائده الخاصة بالسياسة، والحب، عرفت عنه الكثير.

قرأت ذات يوم بأن «نزار» كتب قصيدة الحب المستحيل خصيصًا لـ«كاظم» قبل وفاته بفترة قصيرة، استمعت إلى الأغنية، وظلت ترافقني كثيرًا من الوقت. شاهدت مقطع يجمع بين «نزار، وكاظم» يغني «كاظم» زيديني عشقًا ويردد معه «نزار». كنت أشعر بملل سريع من الاستماع إلى الأغاني، ولم أكن أستمع إلى أغنية تتجاوز خمس دقائق؛ ولكني كسرتها مع كاظم، ولكن بقيتُ لا أتجاوز من خمس لسبع دقائق.

كسرت تلك القاعدة أيضًا حين استمعت أول مرة إلى «أنا وليلى». استمعت إليها مرارًا وتكرارًا، وظلت عالقة بذهني حتى هذا الوقت، وإن اختفت تعود مرة أخرى، رغم ما بها من حزن وأسى. عرفت من خلالها قصة من قصص الحب، مثل قصصنا الشهيرة بتراثنا العربي، لطالب لم يكن بشاعر، ولكن مشاعر الحزن والألم والفراق طغت عليه، وفجرت بداخله ينابيع الشعر؛ لتجعلنا نرتوي منها ونستمتع بها.

يعثر عليها كاظم في إحدى المرات بجريدة، غير مكتوب اسم صاحبها؛ تعجبه القصيدة، ويظل يبحث عن صاحبها، حتى يعثر عليه، ويطلب منه الإذن لغنائها؛ ليخرج علينا بتحفة فنية من حيث الغناء واللحن والأداء. وتحصل الأغنية على المركز السادس باستفتاء هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» من بين أفضل عشر أغنيات على مستوى العالم.

حين يردد «نفيت واستوطن الأغراب في وطني ودمروا كل أشيائي الحبيبات»، بتلقائية يذهب فكري إلى العراق وما فعلوه به، وما بات عليه؛ ممزق لا يقدر على لملمة جراحه.

ظهر ارتباطي بأغانيه، ولم أكن أقدر على إخفاء ذلك أو التحكم فيه، ولا بإعجابي الشديد به، من مهارته الشديدة بالتلحين، والأداء المتميز الذي يتمتع به، وإصراره على تقديم شيء مميز، حتى وقتنا هذا مع اختلاف الذائقة الموسيقية.

أواصل البحث ليس عن أغانيه فقط، ولكن عن تاريخه وجوائزه، وحفلاته وأشاهدها، وأشاهد كيف يجلس الجمهور منتبهًا للكثير من أغانيه حتى ينتهي من الغناء. له العديد من الأغاني التي نظمها بنفسه، ومنها ما أحبه بشدة على بساطتها، مقارنة بالقصائد والأغاني الأخرى، ومنها «هذا اللون».

لم يتوقف عن التلحين لنفسه، ولكنه لحن لمطربين آخرين، منهم الرائعة «ماجدة الرومي». حصل على مفتاح مدينة «سيدني»، ويعد الفنان الثاني بالعالم الذي يحصل عليه بعد «مادونا». حصل على جائزة «اليونسيف» عن أغنيته «تذكر» للشاعر العراقي «كريم العراقي»، والتي يغنيها لأطفال العراق.

تذكر كلما صليت ليلًا

ملايين تلوك الصخر خبزًا

على جسر الجراح مشت وتمشي

وتلبس جلدها وتموت عزًا.

رغم صعوبة ما يقدمه بالنسبة إلى الكثيرين، ولكن تجد جميع المقاعد بحفلاته سواء أكان بالوطن العربي أو خارجه ممتلئة. قدم العديد من المطربين إلى الساحة العربية؛ مثل المغربية «أسماء لمنور» وهي من غنت معه «المحكمة».

لقبه «نزار قباني» بقيصر الغناء العربي. عرفت بعض الكلمات العراقية من خلال أغنياته، والحلاج ومأساته الذي غنى له إحدى قصائده، «عجبت منك ومني»، من خلاله تعرفت إلى جانب جديد بحاكم دبي الجانب الشعري من خلال أغنية «اغسلي بالبرد». استمعت إليه يغني باللهجة المصرية في إحدى روائعه «أشكيك لمين؟» التي ساعدت على انتشاره الكبير بمصر، رغم شهرته التي كان يتمتع بها حين قدم إليها، على العكس من المطربين الذين كانوا يقدمون إليها لينالوا الشهرة.

من يتتبع مسيرته الفنية يجدها ليست سوى أغنيات يقدمها؛ ليحظى بحب الجمهور والتفافه حوله، سيجد مطربًا وفنانًا متميزًا، تاريخه حافل بالإنجازات، مثقفًاش، ليس مجرد مطرب يؤدي بعض الأغنيات.

يحكي بأنه ذات يوم كان يجلس مع أصدقائه، وهم يتحدثون عن الأحزاب والأيديولوجيا، وهو لا خلفية له عنها، وأنه لا يحب أن يجلس ولا يشارك في الحديث، كان في عامه السادس عشر، بعدها ذهب ليشتري كتابًا يتحدث عن الأيديولوجيا حتى يشارك بعد ذلك في الحديث.

ويتحدث عن القراءة ويقول: «القراءة عرفتني كيف أتعرف على نفسي وعلى الآخر، وكيف أتعامل مع نفسي، وكيف أتعامل مع الآخر». ويرى أن الكتب التي قرأها ساهمت في تكوين شخصيته. شغف بما يقدمه، وإصرار على النجاح، وتقديم شيء مميز ورائع يكلل دومًا بالنجاح. هكذا نرغب من الجميع وليس الفنانين فقط.