معلوم أن أصل الخلاف والتنازع بين الحركات الإسلامية هو الاختلاف في الأيديولوجيا التي ترسم منهجية العمل لكل منها، فالاختلاف في المنطلقات المنهجية هي التي تؤسس وتبني الخلاف العملي والتعصب الحزبي، وبناء على ذلك كان لا بد من معرفة أسباب هذا التصلب الأيديولوجي الذي تعاني منه الحركات الإسلامية، فتختلف فيما بينها في آليات العمل رغم اتحادها في الغاية، وربما يصل الحال إلى إقصاء أو تكفير الجماعات الإسلامية بعضها بعضًا كما ظهر عند بعضها.

 بما أن الجماعات وصفت أنفسها بالإسلامية، فمعنى ذلك أن الأصول الرئيسية التي تستنبط منها منهجية العمل حسب ادعائها هي القرآن والسنة، فيعيد السؤال نفسه لم الخلاف إذًا؟ الجواب عن ذلك غن الاختلاف ليس في الأصول الرئيسية، إنما في منهجية الاستدلال وما يطرأ عليها من عوامل نفسية وخارجية، فكل جماعة تبني الرؤى الإصلاحية وتشخص النوازل السياسية والاجتماعية على طريقتها الاستدلالية، وهذه الطرق وما يعتريها هي أصل الخلاف والنزاع بين الحركات الإسلامية ومن أهمها:

1- التعصب لمنهجية المنشأ: وهي المنهجية التي اعتمدها مؤسسوا الجماعة، حيث إنهم كانوا بواقع ذي معطيات سياسية واجتماعية واقتصادية فبنوا رؤية مرحلية للإصلاح سواء كانت صحيحة أم لا، ولكن المشكلة هي تعصب الأتباع لمنهجية مرحلة المؤسسين واعتمادها باعتبارها مرجعية صلبة رغم تغاير معطيات المرحلة التي وصلوا إليها كمن أسسوا حركة إصلاحية في ظل تفشي الجهل وانتشار البدع، فإذا تغير الواقع وحتم على أصحاب الدعوة أن تتصدر للعمل المسلح والمقاومة تعصبت هذه الجماعة للمنهجية الدعوية التي أسست عليها وتركت ما وراء ذلك من عمل يصب في مصلحة الدعوة والعكس بالعكس.

 2- الاستدلال والفهم الخاطئ لنصوص القرآن والسنة وإسقاطها على واقع مغاير لما نزلت فيه، كمن يظن نفسه في مرحلة مكية بحتة يبحث فيها عن نصير أو يقتصر فيها على العمل الدعوي، أو كمن يظن نفسه في مرحلة مدنية بحتة يريد أن يقيم بها خلافة إسلامية بكافة شروطها وأركانها، واستعداء جميع المخالفين. وكلا المنهجان بعيدان عن جادة الصواب حيث إننا يجب أن نتعامل مع واقعنا كفقه حركي لا إسقاط سطحي، وقد قال الشيخ أبو يزن الشامي رحمه الله في ذلك (ﺍﻻﻧﻄﻼﻕ ﻣﻦ ﻓﻘﻪ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﺘﻤﻜﻴﻦ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻧﻨﺎ ﺍﻧﻔﺼﺎﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ، ﻭﺍﻻﻛﺘﻔﺎﺀ ﺑﻔﻘﻪ ﻋﺼﺮ ﺍﻻﺳﺘﻀﻌﺎﻑ ﻣﺮﺍﻭﺣﺔ ﺑﺎﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﺍﻷﻣﺮ ﻋﻮﺍﻥ ﺑﻴﻦ ﺫﻟﻚ) ويقول أيضًا رحمه الله (ﻟﺴﻨﺎ ﺑﻤﺮﺣﻠﺔ ﻣﻜﻴﺔ ﺃﻭ ﻣﺪﻧﻴﺔ ﺑﻞ ﺑﺰﻣﻦ ﺁﺧﺮ ﻟﻪ ﻣﻨﺎﻃﺎﺕ ﻣﻦ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ ﻓﻠﻨﻨﻈﺮ ﻟﻠﺴﻴﺮﺓ ﻧﻈﺮﺓ ﺍﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺗﻌﺎﻟﺞ ﻭﺍﻗﻌﺎ ﻓﺎﻷﻣﺮ ﻓﻘﻪ ﻻ ﻣﺤﺎﻛﺎﺓ).

3- التأثر بتجار وأيدولوجيات فكرية: كما تأثر بعض العاملين في المشروع الإسلامي بالفكر الغربي لسطوته الإعلامية التي تثبت له التجارب الناجحة وتصبغه صبغة عقلانية بعيدة عن الأصول الدينية بدعوى اختلاف الزمان فتبدأ الرؤى الإصلاحية المحرفة التي تعتمد على الفلسفة والمنظومات الفكرية الغربية بعيدًا عن النور الحق والله تعالى يقول (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) فإن الشريعة شاملة لكل زمان ومكان والحكم والمعرفة في المحادثات العصرية التي لم يرد دليل شرعي بشأنها لا تبنى على الفلسفات والعقول المحضة بحجة غياب الدليل النصي، فكمال الشريعة يكمن بوجود معايير ومبادئ وقيم ضمن المخزون الشرعي تُحتكم إليها المحادثات في جميع شؤن الحياة (سياسية، واقتصادية، ومعرفية، واجتماعية…) لتبقى ضمن نطاق الشرع الرباني.

4- ما يصيب بعض هذه المناهج من هوى النفوس الحزبية فتنحرف فيهم البوصلة عن جادة الحق إلى أودية الضلال، فيتصدرون التنظير والطعن في مخالفيهم.

 ولا بد من معرفة أن العامل المشترك بين الجماعات في التصدي لأي نقد موجه ضدها، هو تأويل النصوص للتوافق من رؤاهم المنهجية فيزدادون تعصبًا وتأولًا.