لابد من الانطلاق من اعتبار الأسد، فردا ومنظومة حكم، الراعي الأول لتخلف سورية، وراعي النهب الاقتصادي والدمار العمراني وتفتيت المجتمع قبل الثورة وبعدها، من أجل أن ننطلق نحو بناء جميع مكونات الشعب السوري لسورية العدالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

شهدت مباريات المنتخب السوري، أخيرا، أجواء جماهيرية متباينة ومتناقضة، انطلاقاً من نظرة السوريين لهذا المنتخب، والتي تنقسم إلى قسمين رئيسيين، إذا ما استثنينا بعض الأصوات الشاذة من  مشجعي المنتخب الذين اعتبروه منتخب الأسد، لا منتخب سورية. وعليه فهم يشجعون الأسد وفقط. القسم الأول هو من يراه منتخب الطاغية والديكتاتور والمجرم، ما يفرض عدم تشجيعه ودعمه، إن لم نقل بوجوب دعم (ومؤازرة) المنتخب المقابل له، أما القسم الثاني فيراه منتخب الوطن، لا منتخب النظام، وعلينا دعمه وتشجيعه، كما علينا استثمار هذه الفرصة الرياضية، لإعادة شيء من تراص المجتمع السوري ووحدته، الأمر الذي يعكس، في أحد جوانبه، محاولة أصحاب هذه الرؤية للفصل بين الرياضة والسياسية، أو بالأصح الفصل بين تشجيع المنتخب وتشجيع النظام أو دعمه، وإن أخطأوا في تقديرهم، إذ يشير إلى تناقض بسيط في رؤيتهم، لكنه جوهري في التعامل مع هذه المسألة، فمن ناحية هم يدعون إلى فصل الرياضة عن السياسة، وتشجيع المنتخب على اعتباره منتخب كل السوريين، وكل الأراضي السورية، وفي الوقت نفسه، يأملون في أن يلعب المنتخب الدور السياسي الذي فشل النظام والمعارضة به، وهو توحيد المجتمع السوري.

لذا، وعلى خلفية هذا الكم من التباين والتناقض في الآراء والمواقف، لابد من تلمس حجم فشل المنتخب في تجاوز حالة الانقسام السورية، أي حجم فشله السياسي، وهو ما يدفع إلى التفكير في أسباب هذا الفشل ومقوماته، ولتكن البداية من بنية المنتخب ومن البيئة الناظمة له. وبمعنى آخر، هل فعلاً كان المنتخب السوري منتخبا لسائر أبناء الشعب السوري، أم كانت البيئة

“ألم يتعامل إعلام النظام مع المنتخب على اعتباره أولاً منتخب الأسد، ومن ثم منتخباً لسورية، كيف لا والأسد هو راعي الرياضة الأول وربما الأخير أيضاً”

المسيرة له، والمكونة له، ذات لون سياسي واضح وفج، ألم يتم ربط التحاق الكادر الإداري والفني واللاعبين في المنتخب بموقفهم السياسي وبتصريحاتهم الإعلامية، أم تمت إدارة المنتخب، وتم إنتقاء عناصره وأفراده وفقاً لمبادئ ومقومات رياضية بحتة، على قاعدة الكفاءة والفعالية والالتزام و مستوى الأداء، من دون أي اعتبار للموقف السياسي؟ ألم يشترط النظام على بعض اللاعبين وبعض الإداريين الإدلاء ببعض التصريحات والمواقف السياسية المحدّدة والمذلة أيضاً في مقابل الالتحاق بالمنتخب، وكذلك ألم يتعامل إعلام النظام مع المنتخب على اعتباره أولاً منتخب الأسد، ومن ثم منتخباً لسورية، كيف لا والأسد هو راعي الرياضة الأول وربما الأخير أيضاً. وعليه، ماذا لو تمت إدارة المنتخب وإدارة الرياضة السورية عموماً من تكنوقراط، متحلين بالموثوقية والإجماع السوري، وبسلطات رياضية وفنية ومالية مطلقة، ليتم اختيار أفراد المنتخب وكوادره، وصهرهم وتطويرهم معا على قاعدة تمثيل جميع السوريين، وجميع الأراضي السورية؟ أكنا سنشهد تباين الآراء سابقة الذكر وتناقضها، أم كنا سنعيش جميعاً أجواء الفرح والحماس والاندفاع لمنتخب السوريين ومنتخب سورية الحقيقي.

لكن، وللأسف تم التعامل مع الرياضة ومع المنتخب سياسياً، كما كان متوقعا منذ البداية، على اعتباره نصرا للأسد وللنظام وفشلا للثورة السورية عموماً، ما فرض على جزء كبير من السوريين الرد بشكل واضح وحاسم، انطلاقاً من إيمانهم باستمرار الثورة السورية، حتى تحقيق أهدافها الوطنية كاملةً. ومتشبثين برفضهم الاعتراف بالنظام، أو بمنتخبه ممثلا لسورية وللسوريين. وهو ما أدى إلى فشل المنتخب في مهمته السياسية، أولاً نتيجة طريقة إدارته والتعامل معه من النظام كما ذكرنا سابقاً، كما فشل رياضياً في بلوغ نهائيات كأس العالم المقبلة، نتيجة جملة من العوامل والأسباب التي بدأ إعلام النظام السوري في تسليط الضوء عليها، من قبيل حرمان المنتخب السوري من خوض مبارياته داخل ملاعب سورية، كملعب الحمدانية في حلب أو ملعب العباسيين في دمشق، والتي تعني فقدانه الدعم والتشجيع المباشر من الجماهير السورية الغفيرة، والمشهورة بحفاوة تشجيعها ودعمها، فضلاً عن عدم تمتع المنتخب بالحد الأدنى من ظروف التجمع والتدريب والانصهار الطبيعية والعادية، والتي ترفع من كفاءة أي منتخب، وانسجامه وتعاونه، ويمكننا إضافة أسباب أخرى، لا يجرؤ إعلام النظام السوري والإعلام المقرب منه على ذكرها، من قبيل عجز عديدين، من لاعبي سورية عن رفد المنتخب بمهاراتهم وإمكاناتهم نتيجة قتلهم واستشهادهم، أو اعتقالهم، أو نتيجة نهاية مسيرتهم الكروية، بفعل صواريخ النظام السوري وقذائفه، وأحياناً قليلة، نتيجة قصف المعارضة، فضلاً عن تشرد وهجرة بعض الكفاءات والمهارات الرياضية، وخسارة المنتخب فرص التحاقهم أو متابعتهم، وانتقاء المناسب منهم. قد لا نكون قادرين على ذكر جميع الأسباب الرياضية واللوجستية التي أدت إلى فشل المنتخب في تحقيق مراده الرياضي، إلا أننا قادرون على تحديد مسبباتها وتحديد المسؤول عنها، من دون الاكتفاء بتعداد بعض هذه الأسباب، وتجنب الحديث عن فاعليها ومسببيها، كما يفعل إعلام النظام السوري، والتي تعيدنا إلى سياسات راعي الرياضة السورية الأول وممارساته الإجرامية والاستبدادية والإقصائية تجاه الثورة الشعبية السورية، هذه الممارسات التي حملت الويلات لسورية وللسوريين.

وليس غريبا على الإعلام النظامي السوري أن يمارس سياسته المعتادة، المنطلقة من نسب أي إنجاز فردي أو جماعي سوري إلى قائد مسيرة السوريين، وراعيهم الأول، وفي أي مجال من مجالات الحياة، بينما يحيل أي إخفاق أو فشل أو قصور إلى جملة من العوامل والأسباب

“ليس غريبا على الإعلام النظامي أن يمارس سياسته المعتادة، المنطلقة من نسب أي إنجاز فردي أو جماعي سوري إلى قائد مسيرة السوريين”

الخارجة عن إرادة رأس النظام، والتي قد تتحول إلى مؤامرة كونية على سورية، وقائدها المفدى. وفي أحسن الحالات، يتم تحميل هذه الإخفاقات والممارسات المدانة إلى أي دائرة أو مؤسسة من مؤسسات النظام، ممثلة بمسؤولها أو وزيرها أو بكليتها، وبتجاهل كامل لأي دور أو أي مسؤولية لرأس النظام الذي كان، قبل لحظات أو أيام، الراعي الأول لها، تماما كاعتباره راعي الرياضة الأول اليوم وأمس وغداً، عند الحديث عن احتمال تحقيق أي إنجاز، ولو كان وهمياً، أو اعتباره راعي وحدة سورية والسوريين وضامنها، بينما يتم تناسي دوره التخريبي والتدميري والإجرامي، عند الحديث عن الإخفاقات الرياضية أو الفنية أو الثقافية أو السياسية، مثل دوره ومسؤوليته في استباحة حرمة الدماء و الأراضي السورية التي باتت خاضعةً لشتى أشكال وأنواع قوى الاحتلال الخارجية والداخلية، وفي تدمير وحدة الوطن والشعب.

إذن، لابد من الانطلاق من اعتبار الأسد، فردا ومنظومة حكم، الراعي الأول لتخلف سورية، وراعي النهب الاقتصادي والدمار العمراني وتفتيت المجتمع قبل الثورة وبعدها، من أجل أن ننطلق نحو بناء جميع مكونات الشعب السوري لسورية التي نريد، سورية العدالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، سورية الحضارة والتطور الاجتماعي والعلمي والاقتصادي، سورية الشعب السوري، لا سورية الأسد.
(كاتب فلسطيني)