يصمنا بأننا نعاني من الذكورية، والبورجوازية الصغيرة، وينهانا عن اتهام الألماني الذي يدعو صديقته إلى الطعام بالبخل، ثم يدفع كل واحد منهما عن نفسه، ويقول إنه اقتصاد وتنظيم، ثم يشرح لنا الكرم الغربي فيقول إن الفرد بخيل، لكن الدولة كريمة.

نصّب صاحبنا أبو كدرو نفسه رئيساً للجنة الإفتاء في شؤون الحداثة، وقضايا فقه الاغتراب. وأبو كدرو لقب أسبغناه عليه، استعارةً من شخص كان موكلاً برصف الطرقات في بلدتنا في السبعينيات. وكان الترصيف معقداً، طبقةٌ من الحجارة تعلوها طبقة من الحصى، يعلوها الزفت.. وكان التعبيد يدوياً، في تلك الأيام. كان أبو كدرو الحداثي، في أيام المجاعة والجفاف، في الثمانينات والحصار والمراقبة والمخابرات، يستقبلنا بالروب “ديسمبر”، وتلك مأثرة في شهر آب السوري، ويسألنا عن مشروبنا عند الزيارة، وكأنه من الطبقة المخملية، فنطلب منه ما نطلب من طيّبات، فلا يحضر سوى مشروب الشعب الكادح: الشاي.
أتقن اللغة الألمانية الصعبة بسرعة، واندمج اندماجاً لم يسبق له مثيل، وشروط الدخول في دين الاندماج هي: اللغة، والعمل. والعمل مخُّ العبادة الغربية، فهو يعني المال. لكن الرجل تقرّب إلى الألمان بالنوافل، فغيّر زيّه، فصار يرتدي بنطلوناتٍ ممزقة إرباً إرباً، ووضع حلقةً في أذنه اليسرى، وخزامةً في أنفه، وحلق شعره قزعةً، فصارت مناطق الشعر في رأسه تشبه الجزر في البحر. وكان يفتي لنا في كل رحلة، فيفقهنا في دين الغربة والاندماج، فيقول؛ النازحُ الجيد الذي تظله العولمة بظلها، هو الذي عندما يرى البطة تسبح في البحيرة، لا يفكر في وزنها. فنقول مفاخرين: نحن لا نفكر إلا في بطوننا، فنحن قوم نجونا من مجاعة.
ويقول المطرَّز بالوشوم: “لا تسخرنَّ من الألماني وولعه بالكلب. فنقول له: نحن نشفق على الكلب من الدلال، إنَّ الله سخر لنا في الأرض جميعاً. وإنّ هذا الكلب الأسير يستحق أن يقوم بوظيفته الأساسية، وهي الحراسة التي حرم منها، ومن النباح. ومن حق الكلب التصويت والنباح من غير صندوق انتخابي، والشعوب الفقيرة أحق بطعامه الفاخر المعلب. ثم يقول: لن يفلح قوم يغارون من الكلب. ثم يقول: لا أعرف لم تتفحصون الأطعمة، وتتأكدون من خلوها من دهن الخنزير، هنا يؤكل وحلال فقد ربي الخنزير أحسن تربية. لقد تحول بالدلال إلى خروف وديع.
لا ترفع يدك للقطار فلن يقف، وإياك أن تشكَّ بالهولوكوست، فهو شِرك غربي. الهولوكوست كلمة التوحيد في الغرب، لا مذبحة إلا مذبحة اليهود، والعدد ستة ملايين لا ينقصون واحداً. يصمنا بأننا نعاني من الذكورية، والبورجوازية الصغيرة، والارتوازية الكبيرة، وينهانا عن اتهام الألماني الذي يدعو صديقته إلى الطعام بالبخل، ثم يدفع كل واحد منهما عن نفسه، ويقول إنه اقتصاد وتنظيم وحسن إدارة، ثم يشرح لنا الكرم الغربي فيقول إن الفرد بخيل، لكن الدولة كريمة، ونتذكر له امرؤ القيس الذي ذبح لعنيزة ناقة تكفي مائة شخص، فيقول: مسخرة.
يوصينا أن نقف على إشارة المرور، أن نمر بالشاب المثلي الذي نسميه اسماً آخر يغضب منه، وهو يقبل صديقه قبلةً في ثغره، كأنه أمر عادي، وألا نسمي معونة الدولة للنازح راتباً، إنما هي مساعدة، و إلا نعد الجعة مشروباً من المنكرات، فهي شاي الشعير البارد، ثم نقول له إن الاختلاف هو الذي يخلق الثقافة، وأن لا يأسى على القوم الألمان، وليأسفنا، وندعوه إلى لحم البطة المحشو بالرز، والتي اصطدناها من البحيرة في غفلة عن الأعين، فيأبى أن يأكل، فهو تقيٌّ في دين الحداثة، حي الضمير.
اخترنا المقهى للقصف، فجاء النادل، والنادل شقراء، صبية مضيئة من شدِّة الجمال، خارجة من المصنع الإلهي للتو، العلامة التامة في الحسن، واستغربنا أن تعمل مثلها نادلاً، ولا تشارك في مسابقة ملكات الجمال، أو إعلانات الشعر، أو الرياضة، قال أبو كدرو: تصرفوا وكان نساء بلادكم كلهن ملكات جمال، وهتف بنا كما هتف ويليام والاس (ميل جيبسون) بشعبه الإسكتلندي في أول معركة، وكان قد نجروا رماحاً طويلة للخيول المدرعة: هولد، هولد، هولد … اثبتوا..، ولو قدمت لنا النادلة سماً لشربنا، وقلنا هل من مزيد.
هذه هي التقوى بعينها، لقد آخى أبو كدرو بين الدين والحداثة للمرة الأولى.
هولد: لم نثبت، لقد وقفنا جميعاً لها، ولولا الحياء لهاجنا.. استعبار.