هناك سبب سياسي للاستفتاء في كردستان العراق، الأزمة السياسية والاقتصادية الداخلية. ولم يتعلم رئيس الإقليم، مسعود البارزاني، من تجربة جمهورية مهاباد، والتي أُسقطت عام 1946، ويبدو أنّه سيُحاصر في أربيل ودهوك، إلى أن تُقدم مبادرات جديدة، تُخرج كركوك من سيطرته.

لم يكن ممكناً لأحد من العرب والكرد والترك والإيرانيين أن يتوقع نتيجةً أخرى للإجماع الكردي حول الاستفتاء. قبله، أعلنت الدول الإقليمية والعظمى رفضها له. وسأسقط إسرائيل من التحليل، فهي زُرعت لتُقسّم مغرب العرب عن مشرقهم، وللإمعان بتفتيت جغرافيتهم السياسية، ودعم كل ما من شأنه أن يساعد في جعلها دولة طبيعية، لا استيطانية إحلالية.
من العقلاء العراقيين، الدكتور عصام الخفاجي، والذي أكد ضرورة الاستقلال، وأن يتم بالتوافق مع عرب العراق، ونصح الجهتين (بغداد وأربيل) بتسهيل الانفصال وبتوقيت زمني مناسب للطرفين. هناك تيار عربي واسع أكد ضرورة الاستقلال، مع التوافق بما يخص كركوك والمناطق المتنازع عليها، ورفضَ كلام رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، إن الحدود تُصنع بالدم، ويبدو أن حكاية الدم هذه تتكرر أيضاً مع حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي السوري)، الذي “يثرثر” بالطريقة نفسها إزاء المناطق التي احتلها بحجة “داعش“، وبدعمٍ أميركيّ، بما فيها المناطق ذات الوجود الكردي الكثيف.
يحق للكرد في العراق الانفصال، أو حق تقرير المصير. وفي الوقت نفسه، يُفترض بهم ألا يسيئوا للعرب في دولهم المُشكلة، على الرغم من أن العراق فاقد حقه بتقرير مصيره ما دام 
“ربما الأفضل للكرد العودة إلى التحالف مع العرب، وبما يُحقق مصالح الأمتين”

الأميركان أولاً، ثم الإيرانيون، محتلين له؛ وبالتالي، يفترض بوجود القيادات الكردية ضمن الدولة العراقية بعد احتلال العراق أن يعطيهم درساً واضحاً، أن المسألة الأساسية لدى عرب العراق وكرده وبقية القوميات تكمن في التخلص من الاحتلالات تلك، وليس التوافق معها، من أجل اضطهاد العرب، ولاحقاً استثمار كارثية الوضع العراقي، لإشهار الاستفتاء على الاستقلال؛ الحرب ضد “داعش” ووجود أكراد كثيرين في كل من تركيا وإيران من الأسباب الأساسية لرفض الاستقلال، ليس من الدول الإقليمية، بل والعالمية أيضاً، فالاستقلال الكردي في العراق سيخلخل كل المنطقة.
فشل الكرد في تركيا في تحرّرهم الوطني، على الرغم من نضالات حزب العمال الكردستاني طويلة الأمد، واقتنعوا بتغيير شكل النضال إلى سياسي، لتحصيل الحقوق. وليس في مقدور بقايا حزب العمال تشكيل حرب صلبة، كما كان في التسعينيات في إيران. الأمر غير مطروح أبداً، فهناك اضطهاد كبير لهم، وربما سبب ذلك أن أصول الكرد تعود إلى ذلك البلد، كما يقول بعض المؤرخين.
إقليم كرد العراق محاصَر من كل الجهات الآن، وبغداد رافضة أي حوارات مع الإقليم قبل طي نتيجة الاستفتاء. وطبعاً يستحيل طيّه، ولنقل المسألة في غاية الصعوبة، فهي ستودي، بزعامة مسعود البارزاني؛ الزعيم الذي أجرى الاستفتاء للتخلص من أزمات حكمه، وليس أقلها تعطيل البرلمان منذ العام 2015 وتسليم أولاده وأقاربه مناصب نافذة في حكم الإقليم والفساد المنتشر. وهناك ديون تتجاوز 12 مليار دولار. إذاً هناك سبب سياسي للاستفتاء وهو الأزمة السياسية والاقتصادية الداخلية. ولم يتعلم مسعود البارزاني من تجربة جمهورية مهاباد، والتي أُسقطت عام 1946، ويبدو أنّه سيُحاصر في أربيل ودهوك، وذلك إلى أن تُقدم مبادرات جديدة، تُخرج كركوك من سيطرة البارزاني، وكل المناطق المتنازع عليها، ويعود إلى بغداد كل ما لها في الإقليم، وسيتشدد رئيس الحكومة، حيدر العبادي، إزاء ذلك، نظراً إلى وجود انتخابات نيابية مقبلة، ونظراً للمحاولات التي يتحرك من خلالها للحد من هيمنة إيران استجابة للضغوط الأميركية.
شكل الأتراك والفرس دولهم المتوافقة مع أممهم التاريخية. ولم يشكل العرب دولتهم الواحدة، والمتوافقة مع أمتهم التاريخية، الكرد كذلك. يوجد هنا عنصر مشترك بين الكرد والعرب، هو تقسيم الاستعمار القديم الذي أممهم، ومنع تشكيل دولهم القومية، والأمر ذاته يخص الكرد الذين كان عليهم أن يعوا ذلك جيداً، سيما أن “الفرصة” مواتية للتفكير بأكثر من البقاء في الدول العربية تحت مسميات حكم ذاتي، أو نظام فيدرالي، بل وحتى كاتحاد كونفيدرالي. وقد بدأت هذه الفكرة تُطرح في الإعلام، ربما هي بخصوص العراق تُشكل حلاً ما، ولكن أغلب الظن ليست مطروحة في ظل تعقيدات الوضع العراقي والمنطقة ككل. إذ يتنظر إقليم شمال العراق مشكلاتٍ كبرى، وليس فقط تجميد بيع النفط وإيقاف حركة السياحة والحركة التجارية، لا سيما مع تركيا.
يتصاعد التنسيق التركي الإيراني العراقي كل يوم، ومن دون تدخلٍ دوليٍّ لإيقاف الحرب ضده، ربما ستقع الحرب بما يحاصر الإقليم، ويعيد المناطق المتنازع عليها إلى العراق، إضافة إلى حربٍ جوية خاطفة تُدمر المراكز الأساسية في الإقليم، في إجراء عقابي، ولمنع اعتبار الإقليم “قبلة” للكرد، بما يؤجج نيران الثورة في تركيا وإيران.
سيصمد إقليم كردستان العراق لأشهر وربما سنواتٍ، ولكن ليس في الأفق دولة كردية كما 

“أخطأ مسعود البارزاني، وهو مدفوعٌ بوهمِ تنصيبه زعيماً أوحد للإقليم”

يبدو. نعم بوضوحٍ شديد، أخطأ مسعود البارزاني، وهو مدفوعٌ بوهمِ تنصيبه زعيماً أوحد للإقليم، وأن الأميركيين سيستمرون بدعمه، كما دعموه منذ العام 1991، وأعطوه مكانة كبرى منذ 2003، أي منذ احتلال العراق. مشكلة أميركا الحالية هي التمدّد الإيراني في الدول العربية، ومحاربة “داعش”، ووظيفة الكرد العسكرية في مساعدتهم في هذه المعارك، وليس في إعلان دولةٍ مستقلة، والانفكاك عن العراق. وربما يتوهم زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي السوري)، صالح مسلم، الأمر ذاته، وتصريحات بعض قياديي حزبه إنهم سيقفون مع كردستان العراق في حال مهاجمتها أيضاً تعدّ خارج السرب الأميركي، وتضر بحزبهم كذلك. ويمكن القول إن أميركا ستمنع الحرب ضد الإقليم، لكنها لن تُوقف الحصار، ويتوقف على مسعود البارزاني وبراغماتييه المحيطين به الآن إيجاد حلول ذكية، لفك العزلة التي دخلها إقليمهم، بعد أن كان، عقوداً متتالية، يعيش بحريةٍ كاملة إزاء بغداد وبعلاقات ممتازة مع أنقرة وطهران.
إذاً حلم الاستقلال بدولةٍ كرديةٍ سيتأخر أيضاً هذه المرة، وربما الأفضل للكرد العودة إلى التحالف مع العرب، بوصفهم أمة مضطهدة، وبما يُحقق مصالح الأمتين، وبعيداً عن ممارسات عنصريةٍ بحجج المظلومية تدفع كثيراً من العرب إلى تشبيه خطوة بارزاني بإسرائيل ثانية؛ مجدّداً للكرد الحق بتقرير مصيرهم، وذلك غير ممكن، من دون تحالفهم مع العرب تحديداً، أما العرب فيفترض أن يتخلصوا من وهم بناء دولهم على حساب القوميات الأخرى، فليس من شعبٍ حرٍ، وهو يستعبد شعباً آخر، كما قال كارل ماركس.