للسياسة أكثر من بعد، ولها أكثر من مجال وميدان، وما بين نظريات ومخططات السياسيين العالميين الكبار ونظرات الساسة المحليين مسافة فارقة وبون شاسع، كالمسافة بين من يخطط استراتيجيا وبين من يتباهى بكونه حجرًا يحمل اسمًا على رقعة الشطرنج التي يلهو بها الكبار.

إن من مبادئ السياسة المقرة بأن كل التيارات السياسية والأحزاب والفعاليات الفكرية على اختلاف مشاربها العقدية والمعرفية، إنما تسعى للوصول إلى سدة الحكم، وقيادة المجتمع بما تحمله من فكر وتوجه، وبناء عليه، فهي أمام مسؤولية ضمنية تحتم عليها أن تكون قد أعدت من خبراتها وقياداتها ومؤسساتها الحزبية لما يمكنها من إدارة ذاتها وإدارة المجتمع في حال وصولها للحكم، وهذا يعني وجود مؤسسات حقيقية تفاعلية في داخل كل جسم حزبي يساري أو ليبرالي أو إسلامي أو غير ذلك، مؤسسات تتفهم الأيديولوجيا الذاتية وتستطيع قولبتها وتأطير المجتمع عليها في حال الحاجة لنشر الأشرعة.

اليوم يعيش العالم العربي مجموعة من الأزمات العاصفة، ربما كانت الحروب أقلها خطرًا وتأثيرًا عليه، فالجهل والمؤسسات العابرة للحدود وسياسات البنك الدولي والكبت السياسي والارتهان للغرب والفقر والبطالة تفكك المجتمعات بصورة لا تقوى الحروب الطاحنة على فعلها.

وهنا تبرز الأدوار الفعلية النخب السياسية العربية لتقديم أطروحاتها وتوجهاتها التي تراها الأنسب للخروج من الأزمات، فلكل تيار مجلس إدارته ومجالسه القيادية والاستشارية، وكلها مطالبة بطرح خطط العمل والحلول الإيجابية للواقع الصعب الذي نعيشه، لا أن تكتفي بالجلوس على مقاعد المشاهدين تلقي بتحليلاتها الجوفاء مع كل حدث، لتقول للمجتمع: نحن هنا.

نحن هنا نتكلم عن واقعنا وعن مستقبل أطفالنا من بعدنا، وهذا معناه ضرورة الضغط الفعلي من المجتمع على الأحزاب والتيارات والسياسيين والنخب لتقديم رؤى ناضجة فيما يتعلق بالواقع، رؤى تبدأ بالتحليل والقياس، وتنتهي ببرامج عمل ممكنة وواقعية يمكن لها أن تسهم في حل الأزمات عمومًا أو في جزئياتها، ولا يقبل منهم بأي حال من الأحوال الصمت والتعليل الساذج والمواقف الكلاسيكية المكررة التي تعود لعقود خلت من الزمان.

صحيح أن الاستعمار التدميري بكل أشكاله قد مزق مجتمعاتنا وسلب ثرواتنا، ولكن أزمتنا الحقيقية تكمن في النخب السياسية والإعلامية وشريحة المثقفين التي تغرد خارج السرب، أو تتعامل مع ردود الأفعال ولا تملك رؤية خاصة بها لما يجري في العالم، وبوجهة نظري، فإن من أولى الأولويات على المؤسسات المجتمعية أن تضع هذه النخب في محك الاختبار المتكرر، وأن تعصف بالساسة الكلاسيكيين والتقليديين الذين سئم المجتمع تحليلاتهم الجوفاء منذ عقود.

تحديات هذا الزمان، ووصول اللاعبين الكبار إلى منطقتنا ببارجاتهم وطائراتهم وأنظمة التحكم لديهم يعني وقوف المنطقة أمام سيناريو جديد، سيناريو الفوضى التي يراد من بعدها تقسيم المقسم، وتفكيك المفكك، والتعامل مع نظام عالمي جديد ونظام جيوسياسي جديد، فهل كانت التيارات السياسية والنخب على مستوى هذا النمط من التحدي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست