السقوط

كانت الحركة الصليبية أهم ظاهرة من مظاهر العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في حقبة العصور الوسطى فقد كانت أقصى رد فعل لأوروبا المسيحية تجاه العالم الإسلامي منذ ظهور الإسلام وكانت مدينة أنطاكية إحدى المدن التي وقعت عندها أولى الصدامات الصليبية، وقد عاصرت المدينة تقريبًا كل فترة العصر الصليبيي في الشرق الإسلامي.

تقدم مدينة أنطاكية، التي تقع في جنوب تركيا الحالية، والتي كانت تعد إحدى مدن شمال الشام في العصور الوسطى نموذجًا معبرًا عن مدن بلاد الشام زمن الحروب الصليبية بصفة خاصة، وعن مدن العالم في ذلك الزمان بصفة عامة.و كانت مثالًا للمدن المسورة الحصينة في شرق المتوسط.

فمدينة أنطاكية هي قصبة إقليم العواصم وحاضرته، بينها وبين حلب من جهة الشرق مسيرة يومين، وبينها وبين شاطئ البحر من جهة الغرب حوالي ستة أميال، والمدينة تحتل سهلًا طوله ثلاثة أميال، وتحيط به استحكامات طبيعية تتمثل في جبل اللكام شرقًا ونهر الأورنت غربًا، والمدينة عبارة عن نصف دائرة قطرها متصل بالجبل، والأسوار تصعد مع الجبل لتتم دائرة يبلغ طولها اثني عشر ميلا، يمكن اجتيازها عن طريق عدة أبواب تؤدي إلى الطرق الواصلة إلى حلب وإلى اللاذقية وإلى الإسكندرونة وإلى ميناء السويدية شمالًا.a

وهكذا توفرت الحصانة والمناعة لمدينه أنطاكية ذات الأسوار القوية والأبراج العالية التي أثارت كل من رآها وطمع بها، ووقفت حائلًا بينه وبين اختراقها، هذا إلى جانب وجودها بين البحر والنهر، فأصبحت صعبة المنال سواء برًّا أو عن طريق البحر.

وإذا كانت أنطاكية قد تميزت بالحصانة والرخاء، فإنها أيضًا تميزت بموقع جغرافي على درجة كبيرة من الأهمية، حيث تقع على ملتقى الطرق التجارية في العصور الوسطى، وقد اشتهرت بصناعة المنسوجات الحريرية والبسط والزجاج والصابون.

وإلى جانب ذلك فقد كان ميناء السويدية هو السلم البحري للمدينة، والذي زادت أهميته السياسية والتجارية في مستهل الحملة الصليبية الأولى، حيث رست فيه الأساطيل الغربية بالمؤن والعتاد والرجال، وكان وسيلة اتصال الفرنج بالغرب.

وإلى جانب أهمية مدينة أنطاكية العسكرية والاستراتيجية والتجارية، فقد كانت أنطاكية ذات أهمية روحية وذات صيت ذائع منذ خلفاء الإسكندر، مما جعلها عزيزة على الوثنيين قبل الإسلام والمسيحية، وكانت لها أهمية لدى المسيحيين، حيث استقبلت بطرس الحواري كأول أسقف لها بمساعدة حبيب النجار.

يذكر ابن كثير في تفسير قول الله عزوجل في سورة يس “وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين” أن المدينة هي أنطاكية وأن الرجل هو حبيب النجار.

وهكذا كانت أنطاكية بموقعها المتميز على ملتقى الطرق بين الشرق والغرب وبثرواتها وتحصيانتها، معدة لأن تكون عاصمة قوية لمن يحكمها، دخل المسلمون أنطاكية لأول مرة عندما فتحها أبوعبيدة بن الجراح في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في عام 638 /15، وظلت في حوزة المسلمين حتى استولى عليها الإمبراطور البيزنطي نقفور فوقاس في عام 969/358، ثم عادت إلى أيدى المسلمين عندما استولى عليها سليمان بن قتلمش السلجوقي في عام 1085/477.

ومنذ دخول أنطاكية تحت حكم السلاجقة لم تنعم بالاستقرار السياسي شانها شأن الشرق الأدنى الإسلامي في هذه الفترة، فعند ظهور السلاجقة كانت الخلافتان العباسية والفاطمية تعانيان من عوامل الضعف والانهيار، واستطاع السلاجقة أن يحققوا الوحدة لأراضي الدولة العباسية في عهد سلاطينها العظام “طغرلبك – ألب أرسلان – ملكشاه” واستطاعوا انتزاع الشام من الفاطميين وهزم السلطان ألب أرسلان الدولة البيزنطية هزيمة مدوية في موقعة ملاذكرت.

دب النزاع بين أمراء الدولة بعد وفاة السلطان ملكشاه وتركز النزاع بين السلطان الجديد بركياروق وعمه تاج الدولة تتش الذي استطاع تأسيس دولة قوية في الشام، وانتهى الصراع بمقتل تتش وانقسام دولته بين ولديه، وكانت هذه النتيجة هي التي قررت مصير الحملة الصليبية الأولى، إذ لم يواجه الصليبيون تلك الموارد المشتركة للدولة الموحدة التي أسسها تتش ولو كان حدث ذلك لتغير وجه التاريخ، فقد قام الصراع بين أبناء تتش في الشام واستقل عدد من الأمراء بمدن الشام الرئيسية، وكان هذا الصراع هو الموقف في حقيقته عند قدوم الصليبيين إلى الشام، فبينما كان حاكم أنطاكية ياغي سيان ومعه رضوان أمير حلب يحشدان قواتهما ليواجهوا أمير دمشق دقاق ومعه أمير حمص وصلت الأنباء بوصول جيش جرار من الصليبيين إلى شمال الشام وبدلا من أن يتفقوا على مواجهة هذا العدو تفرقت جيوشهم وعاد كلٌّ لمدينته ليفاجأ ياغي سيان بأن الصليبيين يحاصروا مدينته أنطاكية وأنه يجب أن يواجه وحده هذا العدو.

خرج الجزء الأول من الحملة الصليبية الأولى من أوروبا وكان يضم الغوغاء والمعدمين وسحق سلاجقة الروم هذا الجزء دون عناء بالقرب من مدينة نيقية، أما الجزء الثاني من الحملة وكان يضم الأمراء والفرسان بقيادة جودفري دوق اللورين وبوهيموند قائد نورمان جنوب إيطاليا وعدد آخر من الأمراء فقد استطاعوا هزيمة سلاجقة الروم واستولوا على مدن نيقية وهرقلية و قونية ودريليوم. عبر الجيش الصليبي جبال طوروس واتجهوا نحو مدينة أنطاكية وقاموا بتشديد الحصار عليها.b

جرت الأمور بين ياغي سيان حاكم أنطاكية والصليبيين على وتيرة واحدة من الاشتباكات الخفيفة دون الدخول في معركة حاسمة، وبعد حصار دام ثلاثة أشهر ظهر أول رد فعل إسلامي من خارج أنطاكية، حيث اشتبك أمير دمشق وأمير حمص بقواتهم مع الصليبيين لكنهم هزموا أمام الصليبيين، وبدأ الصليبيون يعانون من مجاعة كبيرة بين قواتهم مما جعل بعض من القوات تهرب من معسكر الصليبيين، ورغم المجاعة استطاع الصليبيين الانتصار على قوات أمير حلب بل واستولوا على حصن حارم، وإذا كان رد الفعل لدى سلاجقة الشام بطيئًا وضعيفاً فقد كان رد الفعل لدى الفاطميين من نوعًا آخر، حيث وصل إلى معسكر الصليبيين وفد من الفاطميين ليطمئنوا على أملاكهم في جنوب الشام وفلسطين حيث أن الفاطميين استغلوا انشغال السلاجقة في شمال الشمال وقاموا بالاستيلاء على عدة مدن في فلسطين وكانت منها مدينة القدس.

“كل ذلك والمسلمون لا يدركون طبيعة الحركة الصليبية وهدفها، والسبب هو الانشقاق السياسي والخلافات المذهبية والمصالح التي كانت أقوى من وجود خلافتين إسلاميتين في المنطقة، وأقوى من تفكير الحكام المسلمين في الصالح العام لأمتهم الواحدة وما أشبه الليلة بالبارحة”.

في ذلك الوقت وبعد حصار دام ستة أشهر، كان كربوغا أتابك الموصل يحشد جيشًا ضخمًا ليواجه الصليبيين لكن كربوغا أضاع ثلاثة أسابيع كاملة في حصار الرها دون طائل والتي كان قد استولى عليها الصليبيون من الأرمن وأساسوا فيها أول إمارة صليبية لهم في الشرق.

في ذلك الوقت استطاع الأمير النورماني بوهيموند أن يوطد علاقته بشخص يدعى فيروز وكان رجلًا أرمينيًّا قد ادعى الإسلام وكان يتولى حراسة أحد أبراج المدينة “برج الأختين” والذي اتفق مع بوهيموند على أن يسهل له دخول المدينة ليلًا، وبالفعل دخل بوهيموند مع قواته المدينة في يوم 3 يونية 1089/ أول رجب 492 واستولوا على بقية الأبراج وانتشروا داخل المدينة وفتحوا باقي الأبواب للجيش الصليبي، ليدخل الصليبيون المدينة وتدور مذبحة رهيبة داخل المدينة، وغرس بوهيموند علمه القرمزي فوق أسوار أنطاكية معلنًا سقوط المدينة بينما كانت تدوي صيحات الإفرنج في جنبات المدينة في صخب بقول “إنها إرادة الله”.

كانت خيانة فيروز الأرميني ذات فائدة مزدوجة للصليبيين فقد استولوا على المدينة بسهولة وبقيت استحكامات المدينة سليمة خاصة أن اتابك الموصل كان على وشك الوصول بجيش ضخم لمواجهتهم، انعكست الآية و حاصرت القوات الإسلامية أنطاكية، لكن كان الانقسام بين أمراء الجيش الإسلامي على أشده فقد أساء كربوغا معاملة أمراء الشام والعراق الذين معه وحدث نزاع بين الأمراء العرب والترك، وقام بوهيموند وبطرس الناسك بحيلة لرفع الروح المعنوية للجيش الصليبي الذي كان يعاني من المجاعة للمرة الثانية حيثوا أعلنوا أنهم عثروا على الحربة المقدسة التي طعن بها السيد المسيح في معتقدهم وخرج الصليبيون من أبواب أنطاكية ليواجهوا الجيش الإسلامي المنقسم على نفسه وهزموه هزيمة قاسية ليتأكد سقوط أنطاكية في أيدى الصليبيين ويصبح بوهيموند النورماندي أميرًا للمدينة.

كانت أنطاكية مطمعًا لكل غازٍ لمنطقة الشام وكان النورمان آخر الطامعين فيها، وقد سقطت المدينة في أيديهم نتيجة للخيانة وتقاعس حكام المسلمين عن التصدي الجاد للخطر الجديد الداهم على المنطقة ولم يعوا طبيعة هذا الخطر إلا متأخرًا، ولم تكن ردود الفعل الإسلامية تجاه الصليبيين تتسم بالكفاءة وحسن التوقيت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست