في مدرسة ابنتي وفي مادة الدراسات الاجتماعية كان أحد الأنشطة المطلوبة مناظرة بين فريقين حول ضرورة اجتياز اختبار ثقافي لمن يحق لهم التصويت لاختيار رئيس البلاد وبين عدم ضرورة ذلك وقد كانت ابنتي من الفريق الذى يرى ضرورة اجتياز الاختبار وقد دعمت موقفها بأسباب متعددة منها مثلا أن من لا يعرف تاريخ الولايات ودستورها قد يتسبب في اختيار سيء يسبب كوارث للبلاد كما حدث من قبل مع رؤساء مختلفين. كان هذا النشاط في الحقيقة صدى لمناظرات حقيقية بين بعض الولايات الأمريكية.

كنت أتابع قراءتها وتجهيزها لدفاعها وأنا أتعجب أن يكون هذا هو حال الغرب الذي يمارس الديمقراطية ويراه العالم مثالا على الحرية وحفظ الحقوق! كيف يبحث عن وضع تشريعات وقوانين تحمي بلاده وتتفق مع دستوره أما نحن فنستحي أن نطالب بوسيلة أخرى غير الديمقراطية تناسب شرعنا وديننا وثقافتنا وبيئتنا المختلفة.

أعادني ذلك الموقف إلى التفكير فيما عليه نفوسنا من تبعية وانهزام وما يجب علينا من إعمال عقولنا والثقة بأنفسنا وبما لدينا من كنوز في الفكر وفي آليات ووسائل النهوض نحن في غفلة عنها!

ففي بلادنا العربية والإسلامية قرر قطاع من شعوبنا أن الديمقراطية لا تصلح وأن من يملك قوة السلاح هو من يحكم ويجب أن يخضع له الناس حتى تسير الحياة ويعتدل الحال، وبعيدًا عن العوامل النفسية والبيئية التي دفعتهم لهذا الاعتقاد إلا أنهم قد سلموا بهذه القضية البديهية من وجهة نظرهم وصاروا يرون أنها الأصلح في بلادنا ووجود مثل هذا الاعتقاد يدفعنا دفعًا إلى هذا السؤال: هل حقًّا تصلح الديمقراطية في بلادنا وهل هي الوسيلة الأفضل لضمان حريات الناس ومراقبة الحكومات؟

وعلى العكس من هذا القطاع فإن هناك قطاع آخر مازال يؤمن أن الديمقراطية هي أمل الشعوب وهي الوسيلة التي يمكن بها منع الاستبداد والطغيان الذي تعاني منه شعوبنا العربية في شرقها وغربها. ومع أن الأحداث المتسارعة أثبتت فشل التجربة القصيرة في معظم بلادنا إلا أن ذلك لم يدفعهم إلا إلى التمسك بها كوسيلة وحيدة لاختيار الحكام والمسؤولين من بعدهم، فهل يجب حقًّا القبول بها والتغني بمزاياها والنضال من أجلها كما يرى ذلك الفريق؟

ورغم أن الديمقراطية من منطلق إسلامي وشرعي عليها تحفظات كثيرة بداية من المصطلح ذاته ومرورًا بأسسها ومبادئها النظرية التي تقوم عليها وحتى تطبيقها كواقع عملي! إلا أننا سنترك كل ذلك الآن ولن نخوض فيها فقد تحدث فيه وأفاض المهتمون والمتخصصون، لذلك سنكتفي بالنظر سريعًا من ناحية عملية واقعية لمن يريدون البدء بمراجعة حقيقية لأفكارهم واختياراتهم:

نجاح وسيلة ما في مكان ما ليس دليلًا على صلاحيتها التامة مع التأكيد أن المخالفة لهذه الوسيلة والتلاعب فيها في البلاد التي اعتمدتها صار أمرًا بديهيًّا ومعروفًا! وقد تبين للمتابعين من خلال حوادث عديدة أثر وسائل الإعلام التى يمتلكها أصحاب رؤؤس الأموال والحملات الإعلانية التي يديرونها على توجيه آراء الناس نحو اختيار معين يعرض بعد ذلك على أنه اختيار الشعب!

في الغرب أيضًا حيث الديمقراطيات التي يقال عنها عريقة أصوات فهمت الأمر وبينت مساوئ الديمقراطية كنموذج وحيد لتحقيق الحرية والعدل والاستقرار السياسي، مما يعني أن من يفكرون ويعنيهم فهم الأمر على حقيقته يعرفون أن الديمقراطية بشكلها الحالي لا تمنح حرية حقيقية، ولا تمنع الاختيار السيء ولا الطغيان والفساد بكل أشكاله، لذلك يحاولون تجنب ذلك بالدفع نحو وضع بعض القيود والاستثناءات.

لم يعد مستساغًا كما كان الحال من قبل أن يُنظر إلى من يرفض هذه الوسيلة على أنه من أنصار الحاكم الإله أو أنه لا يعترف بحق الأفراد ومسؤلية الأمة في اختيار من يحكمها! لذلك فإن مناقشة هذه الوسيلة لا تعني القبول بالاستبداد وقهرالشعوب وإنما لا بد أن تشحذ العقول وتستحدث الأفكار المتعددة التي تناسب ما لدينا من شرع أولًا ثم ما يتسق مع طبيعة الشعوب وبيئاتها المختلفة.

يبدو الإصرار على أن تكون الديمقراطية هي وسيلتنا الوحيدة لحياة كريمة كأنه نوع من تعلق المغلوب بالغالب وشعور بأن كل ما يأتي من الغرب فيما يخص الحريات وحقوق الإنسان هو آخر ما وصل إليه التفكير الإنساني من رقي وأنه ليس في الإبداع أحسن مما كان، وذلك على الرغم من أن العقل المسلم والعربي لا يعاني من فقر في الأفكار قدر ما يعاني من تجاهل المبدعين وضعف في تسويق الجديد والجيد من الأفكار، ولو تتبعنا ودرسنا  أفكار المهتمين بقضية اختيار الحاكم لوجدنا الكثير المفيد مما يمكن تنقيحه وتجميعه والخروج بأفكار إبداعية تصلح لزماننا وتتقيد بشرعنا ولا تسمح بطغيان أو فساد.

قد يرى البعض أن الديمقراطية ليست سوى وسيلة للعيش بحرية وأمان والحقيقة أنها عنوان كبير لكثير من التفصيلات التي تُنشئ نظامًا معينًا أو يترتب عليها سياسات بعينها، فمثلا كيف يختار الشعب نوابه؟ هل الجميع مدعوون أم هناك شروطًا نشترطها فيهم وما هي مهامهم وحدودها، إقرار قوانين وتشريعات أم الاكتفاء بنقل رأي الشارع؟ ما حدود المعارضة للحاكم وكيف يتم تقويمه أو معاقبته إذا طغى وأفسد؟ وغير ذلك من أسئلة كثيرة ومحاور استهلك الكلام فيها من قبل لكنها كانت تحت تأثير حالة ثورية في المشاعر والأفكار ما لبثت أن ارتدت إلى طبيعتها الخامدة. والآن بعد الموجات التي عصفت بنا صار علينا أن نعرف أثر الاستبداد الطويل وطبائع الشعوب وما يناسب بيئتها وقيمها قبل أن نناقش تلك التفصيلات ونقرر أيها المقبول وأيها يصلح أولا يصلح.

لقد أثبتت لنا الأعوام الأخيرة أن شعوبنا تحتاج إلى النظر مجددًا في هذه الوسيلة وإلى البحث عن نظم مختلفة لسياسة أمورها ومقارنتها بالديمقراطية الغربية بما فيها من مثالب متعددة وأهمها طريقة الانتخاب التي قد يتأثر فيها الناس بدعايات الإعلام، كما نحتاج إلى طريقة تضمن لنا وضع مبادئ عامة لا تصويت ولا خيار عليها تلك التي تخص الشرع والدين والحقوق الأساسية للإنسان، فهل نفتح عقولنا ونعيد النظر والتفكير؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست