أسترجع عنوان الكتاب الشيق للدكتور جلال أمين «ماذا حدث للمصريين؟»، الذى ناقش فيه تحولات الاقتصاد والمجتمع، اليوم هناك تحولات إضافية تحتاج إلى دراسة فى التكوين النفسى للمصريين. 

أبرز ما يمكن التوقف أمامه هو «الشماتة فى الموت»، وهو شعور قاس لا ينم عن أخلاق أو تدين صاحبه. منذ أيام توفى أحد قيادات الإخوان المسلمين هو مهدى عاكف، تأذى أصحابه من المشاعر السلبية التى عبر عنها البعض تجاه الرجل على مواقع التواصل الاجتماعى أو فى الإعلام بشكل عام، وهو بالتأكيد أمر غير مقبول إنسانيا لأننا أمام حدث جلل اسمه «الموت» الذى يقف كل حى أمامه خاشعا، ولكن الأمانة تقتضى القول بأن التيار الإسلامى مارس فى مناسبات عديدة الشماتة فى الموت، وأعطوا لأنفسهم الحق فى تقرير مصير المتوفى هل يذهب الجنة أم تنتظره النار.. فعلوها عدة مرات، منها أخيرا تعليقهم على خبر رحيل الدكتور رفعت السعيد، واستخدم نشطاؤهم مواقع التواصل الاجتماعى من أجل مطاردة كل من كتب ناعيا الرجل الذى كان له إسهامه فى السياسة والفكر. إنها الازدواجية المقيتة. أن نبرر ممارسات سلبية فى مواجهة الأخيرين، فى حين نغضب ونتألم حين نرتطم بذات الممارسات فى حق أنفسنا. 

هذا مجرد مثال على حالة الازدواجية التى نعيشها، ليس فقط فى السياسة، ولكن فى مناح مختلفة. 

الشعوب لا تتقدم بالازدواجية التى تعشش فى حياتنا. الموظف الذى يسهل إجراءات الحصول على خدمة لشخص ويغلق بابها أمام آخر لاعتبارات ذاتية وشخصية، والشخص الذى يقبل على جيرانه ما لا يقبله على نفسه، والمواطن الذى يدعى التدين فى حين أنه يمارس الفساد، والرجل الذى يتزمت مع أهل بيته فى حين أنه يمارس التهتك مع النساء الأخريات، والأسرة التى تضع فى ذهن الولد أنه أفضل من البنت، والذين يتمسحون بمظاهر التدين طوال الوقت فى حين أن الشوارع تشهد أعلى نسب تحرش ضد النساء. قوى سياسية تستخدم مبررات لتبرير سلوكيات هى ذاتها ترفضها إذا أتت من خصوم لها دون أن تشعر بحمرة الخجل أو تباين مواقفها. نتذكر أن التيار الإسلامى عارض كثيرا قروض البنك الدولى، ولكنه عندما كان أغلبية فى البرلمان سعى إلى تمريرها. هذه الآفة لم تسلم منها الفرق الكروية. الأهلاوية الذين اعتقدوا أن الزملكاوية يتمنون هزيمتهم أمام الترجى التونسى، هم أنفسهم فعلوها تجاه الزمالك فى مباريات سابقة. الأمثلة كثيرة على حالة الازدواجية التى نعيشها فى كل مفردات الحياة تقريبا. ويكفى أن ننظر إلى ممارسة المهن المختلفة نجد أنها ترتطم بممارسات سلبية منها الكذب، وعدم الصدق فى الموعد، والغش فى المنتج، والحديث فى ذلك طويل. 

الشعوب المتقدمة لا تعرف هذه الازدواجية، وتعيش حالة اتساق مع نفسها، ولا تظهر خلاف ما تبطن، أو تتظاهر بأمر وتفعل فى الخفاء نقيضه، ولا تضطر أن تتمسح بأردية التقوى فى حين أنها تعيش حالة انحلال وفساد داخلى. المجتمع المزدوج الذى يتحدث لغة ويفعل النقيض لها لن يتقدم، والسبب بسيط أن مسار التقدم يحتاج إلى صدق مع الذات والآخر.