الفكرة مثل أي سلعة لها مدة محددة صالحة للاستخدام فيها، وعند انتهاء هذه المدة تنقلب الفائدة الخاصة بالفكرة إلى ضرر وأذى للعقول.

عقول الطلاب الجامعيين في سوريا تحولت إلى حاويات لأفكار المواد الدراسية العفنة المنتهية الصلاحية، التي لا عمل لها في عصر الجوجل، ووسائل التواصل الاجتماعي والتقدم التقني الكبير.

فلماذا يجب حشو عقول الطلاب بهذه المواد والأفكار المنقرضة بدلًا من تدريسهم المواد التي تدفعهم إلى إنتاج المعرفة والابتكار، وتقديم أبحاث علمية تفيد البشرية كافة.

المواد الجامعية التي تدرس للطلاب هي أساس نهضة أي مجتمع علميًا وحضاريًا.

فتدريس مادة من تسعينيات القرن العشرين لطلاب هندسة الاتصالات في جامعة دمشق عام 2016، لا يعتبر دليلًا على تقدم المناهج التعليمية كما أن تدريس مادة كاملة في كلية الإعلام عن كيفية التخزين على أشرطة الفلوبي التي توقفت مصانعها عن إنتاجها والسيديهات بمختلف أنواعها برهان على تخلف المناهج الدراسية في حين أن طفلًا عمره سبع سنوات يستطيع تصفح الإنترنت وتخرين ما يريد بكل بساطة وسهولة.

ناطحات السحاب، والعمارات الهندسية الرائعة والقطارات السريعة تحت الأنفاق، والطائرات النفاثة والأفكار الفلسفية العظيمة كانت مجرد أفكار في عقول أشخاص يومًا ما وكانت هذه الأفكار ستموت في عقولهم لولا أن ارتوت بمناهج علمية مفيدة ساعدت هذه الأفكار على النمو والتجسد بشكل علمي ولو أن هذه الأفكار ارتوت بمناهج تعليمية عفنة لا نفع فيها لماتت هذه الأفكار العظيمة في رؤوس أصحابها.

اليابان أصبحت دولة صناعية عظيمة بعد أن حولت مناهجها العلمية إلى مناهج تدعو إلى التفكير والإبداع وليس إلى الحشو والحفظ.

إذا أردنا أن نبني أمة يجب أن نعلم أبناءها كيف يفكرون وليس كيف يحفظون حيث بمقدور أي شخص أن يحفظ وليس بمقدور أي شخص أن يبدع ويتخيل ويأتي بأفكار جديدة.

العلوم والتكنولوجيا والآداب تتطور بالخيال والإبداع والتفكير خارج الصندوق وجميع الاتجاهات المحيطة بالصندوق، والتفكير أيضًا بمن حدد أطر العلم بهذا الصندوق الضيق بينما هو يتسع للكون.

أينشتاين لو استمر بالحفظ دون التفكير لما ظهرت نظرية النسبية في عقله ولما ابتدع جابريل غارسيا ماركيز رواية مئة عام من العزلة وما استطاع أيضًا مارك زوكربيرج تصميم فيس بوك… إلخ.

التقدم العلمي لا يقاس بكمية المعلومات المخزنة في عقول الطلاب، لكن بكمية الأفكار الإبداعية والبحوث الجديدة التي يقدمها الطلاب.

كثرة الحفظة وقلة الأفكار الإبداعية دليل على تخلف المحتوى العلمي المقدم في الجامعات وكذلك ضخامة القرارات وكثرة عدد المحاضرات والمواد في الجامعات التي تقدم مضمونًا فارغًا بل ملوثًا كالماء الجاري في المستنقعات، لن تزيد من ذكاء الطلاب لكن ستسمم عقولهم وتصيب خلاياهم العقلية بتصحر فكري وتقضي على أي أمل في ظهور أفكار مثمرة للمجتمع في المستقبل.

الجامعات الغربية تعلم طلابها التفكير بينما الجامعات العربية وعلى الأخص السورية تعلم طلابها الحفظ، فيخرج لدى الغرب أشخاص مثل مارك زوكربيرج بينما يخرج عند العرب أشخاص متصلبو الرأي لأفكار أصبحت من التراث.

لذلك لا بد لوزارة التعليم العالي في سوريا أن تشكل لجانًا من دكاترة ذوي خبرة في كل مجال من مجالات المعرفة لمراقبة ومراجعة المواد الدراسية التي تعلم في الجامعات للتأكد من أن مناهجها تقدم أفكارًا تنويرية علمية وليس مجرد حشو للسنين الدراسية الجامعية بكلام لا فائدة منه ولكن يحتوي كمًا كبيرًا من الضرر على عقول الطلاب.

علموهم كيف يفكرون ويبدعون، وليس كيف يحفظون ويقلدون كالببغاوات. الحفظة كالقطعان تنقاد خلف الراعي لكن الراعي يفكر لذلك يقود الخرفان.

الحفظة مجرد هاردات ذات سعة كبيرة بينما المفكرون معالجات تنتقي السمين وترمي الغث.