مما يروى عن بونابارت قوله: «فتش عن المرأة»، وخلاصة ما يرومه بهذه العبارة دعوته إلى استقصاء مدى تورط النساء  ووقوفهن خلف ما يقع من شرور في العالم؛ فتواري امرأة ما خلف ما يحصل من أزمات – حسبه – مما لا يشك فيه، فقط يلزم بعض من التفتيش والتأمل لتبين ذلك.

ولعله كان في ذلك متأثرًا كغيره بالتصور المألوف تاريخيًا عن المرأة باعتبارها مصدرًا للخطيئة ومكمنًا للشر، وبصرف النظر عن هذا التصور السلبي الذي تظهره القراءة الظاهرية لمقولته، فهناك جانب مشرق آخر يفترض حضور المرأة خلف الأمور العظيمة كذلك؛ فسجلات التاريخ حافلة بنماذج لنساء أسهمن بقسط جزل، جنبًا إلى جنب مع الرجال، في تعمير الأرض واستصلاح أحوال البشرية.

غير أن الجدير بإنعام النظر في قوله: «فتش عن المرأة» ليس موضوع التفتيش والتقصي، إن خيرًا أو شرًا، بل فعل التفتيش نفسه؛ فقد أفصح صاحب القولة، ربما من حيث لا يدري، عن تمثلات المجتمعات السلبية لفعل النساء وحضورهن، تمثلات يطبعها غالبًا التجاهل والتعامي؛ لذلك يجمل بمن يطلب معرفة مدى فعل المرأة أن ينقر طويلًا حتى تنكشف له بعض أوجه إسهامها؛ فالدعوة إلى التفتيش تشير من طرف خفي إلى أن المرأة وإن كانت فاعلة قد حكم عليها وعلى فعلها بالتواري والاحتجاب الأبدي.

إن القول باقتراف المجتمع لجرم التستر على فعل المرأة والحكم عليه بالاحتجاب، فيواري ما شاء ويظهر ما يشاء قد ترد عليه إحدى الدعاوى وهي: أنه لا يبرئ المرأة وينتصر لها بقدر ما يعرب عن أنها كانت دائمًا موضوعًا لفعل الآخرين، أسيرة تمثلاتهم؛ بل قد تأخذه الريبة حول مدى صدق أنها كانت فاعلة فضلًا عن اتهام مدى شجاعتها في الإعراب عن وجودها وفعلها.

وبيان فساد هذه الدعوى يقع من الوجوه الآتية:

أولًا: لا يختلف اثنان في مقدار ما سلط على النساء عبر التاريخ من ألوان التضعيف والتجهيل والتعذيب وغير ذلك، مما لو سلط بعضه على الرجال لما أطاقوه، ولما استطاعوا له دفعًا، ولكان حالهم أسوأ، إلا أن نساء عديدات قوين على أن يتخففن من كل ذلك ويشرقن في مجالات تترى، ولو هيئت الظروف لأخريات لأحسن التأثير في مجتمعاتهن أيضًا، فمجرد تأهبهن للفعل يفصح عن كونهن لم يشغلن حيز المفعول به فقط. أما عن عدم إبرازهن لفعلهن وإظهارهن له فليس عليهن ذلك.

ثانيًا: إن تواري فعل المرأة لا يؤثمها أو يصورها ممعنة في السلبية وانعدام القدرة على إظهار فعلها فضلًا عن إنكاره، بقدر ما يتهم الذات الناظرة إليها أيضًا؛ فإنكار رؤية الشيء لا يعني عدم وجوده، بل هو اتهام للذات الناظرة كذلك، والأمر ذاته يصدق على فعل المرأة فعدم إبصار البعض له لا يلزم عنه عدم وجوده أو عدم قدرة المرأة على إبرازه بل يسائل القنوات التي تم التوسل بها في فعل الرؤية، فهذه القنوات أو وسائط الرؤية ربما منعت الناظر من الإبصار فشوهت المنظور إليه – فعل المرأة – حينًا، وحذفت منه وأضافت ما ليس منه تارات أخرى، وما هذه القنوات سوى بنى التفكير التي نشأت في أوساط تمج كل ما هو نسائي وتحكم عليه بالضعف والفساد.

والحق أن تصوير فعل المرأة وفعلها في صناعة التاريخ اعتمد في تحديده على ذات ناظرة مجحفة توفرت لها من الوسائل ما جعلتها أقوى وأبلغ صوتًا، في حين أن المرأة – المنظور إليها – لم تحفل بإظهار فعلها في غمرة انشغالها بالفعل ذاته.