قال الفيلسوف الإنجليزي أرنولد توينبي إن الإمبراطورية العثمانية هي الدولة الوحيدة التي استطاعت التحكّم الكامل في الشرق الأوسط لمدّة زمنية طويلة، وذلك أمر لم توفق إليه الإمبراطورية الفارسية أو الرومانية، وهذا قول صحيح، فلم يشهد التاريخ الإسلامي كيانًا سياسيًا قويًّا ومستقرًّا كالذي شهدته الإمبراطورية العثمانية، فقد تمتَّعت بكامل عوامل القوّة مثل الموقع الاستراتيجي الهام الذي يطل على أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكانت تتمتّع بمصادر اقتصادية هائلة وموارد بشرية كبيرة، إلا أنها حملت داخلها بذور انهيارها وفنائها، إذ لم تشهد ثورة علمية كالتي شهدتها الدولة العباسية، ولم تستغل مواردها الاقتصادية في إحداث ثورة صناعية بسبب الاعتماد الكلي على الضرائب والجزية.

تاريخ الدولة العثمانية كأي تاريخ إنساني له سلبياته وإيجابياته، والواقع أن الدولة العثمانية لم تكن بدعًا في استبدادها ومظالمها، فلم تختلف في مجال الاستبداد والفساد والظلم عما سبقها وما عاصرها من دول عربية تنتمي للإسلام أو دول أوروبية تنتمي للمسيحية، إلا أن الدولة العثمانية كانت أكثر التحامًا بأوروبا وصراعًا معها، كما استمرت في الوجود إلى عصر التطور والنهضة الأوروبية، وتقاعست فيه عن الإصلاح، حيث كانت تعيش فترة ضعفها واضمحلالها وتكالب الدول الأوروبية عليها.

الدولة العثمانية مؤسّسوها هم الأتراك، والأتراك هم عرق أبيض عريض الجمجمة، وغالبًا ما يطلق عليهم في الكتب الأدبية لفظ طوراني، وهم القوم الذين ينحدرون من أعراق منطقة الأورال، كانت ديانة الأتراك قبل الإسلام تسمّى «كوك تنرى» وهذه الديانة ليس لها نبي ولا كتاب مقدّس ولا معبد بل المعبود هو الإله تك تنكري وهو رب الأتراك فقط، وقد كانوا يحنّطون أمواتهم ويدفنونهم مع حاجياتهم الضرورية لكي يستعملوها في الدار الآخرة.

تعلّم الأتراك في أوقات مبكّرة جدًّا تطويع المعادن وصناعة الأسلحة وترويض الخيول والأغنام، وذلك للضرورات العسكرية، وهذا سبب تفوقهم في الميدان العسكري كما كان عاملًا حاسمًا في سرعة قيام الإمبراطورية العثمانية ذات الجيش القوي والمنظّم والمسلّح تسليحًا جيّدًا آنذاك، لكن الأتراك لم يحبّوا البحر ولا البحرية واضطروا إلى مزاولة الأمور البحرية بعدما استوطنوا تركيا الحالية في القرن الحادي عشر. يهمل الكثير من المؤرخين حقيقة أن الأتراك ليسوا بجدد في مجال العمل الإمبراطوري، فقبل قيام الدولة العثمانية كانت هناك إمبراطوريات صغيرة أسّسها الأتراك في نواحي أوروبا الشرقية وبلاد الهند والصين وتركستان وكان يطلق عليها اسم الخاقانيات.

اعتناق الأتراك للإسلام جاء في فترة الحكم الأموي، لقد حاول الأتراك الوقوف في وجه الغزو الأموي العربي بقيادة الأمير «قتيبة بن مسلم»، فبعد أن فتح هذا الأخير بخارى في 709م وجزءًا من تركستان وسمرقند في 711م، أصبح الأتراك وجهًا لوجه أمام هذا الغزو والأهم من هذا أمام دين جديد وهو الإسلام، فكانت المواجهة شديدة في البداية إلى أن استسلم الأتراك للقوة الأموية المتفوّقة عددًا وعدّة، وفي العصر العبّاسي شهد أول تعاون عسكري تركي-عربي ضد الصينيين، فبعد أن وقعت حملة الأمير العبّاسي «زياد بن سالح» في ورطة في موقعة «تالاس» عام 751، جاء الأتراك ليمدّوا يد المساعدة للجيش العبّاسي وبجهد عبّاسي تركي مشترك تخلّصت تركستان من الاستيلاء الصيني، والجدير بالملاحظة هو أن بداية اشتراك الأتراك في خدمة الجيوش الإسلامية كانت في الفترة العبّاسية لا في الفترة الأموية وهذا راجع إلى عنصرية الأمويين إذ كانوا يفرّقون بين العربي وغير العربي، ونزعة احتكار الحكم بينهم في ما يعرف بـ«الملك العضوض»، عكس العبّاسيين الذين لا يهمّهم الأصل ما دام الهدف هو خدمة السلطة العبّاسية.

وبعد ضعف قوّة العبّاسيين وازدياد القوّة البيزنطية تخلّى العرب عن مشروع فتح الأناضول فاستلم المهمّة السلاجقة وانضم إليهم رؤساء القبائل التركية فقاموا بترتيب الغزوات على الأناضول كل سنة، وتقديرًا للجميل قام السلطان علاء الدين الأول (1219 – 1235) سلطان دولة الأتراك السلاجقة بإقطاع أرطغرل رئيس تلك القبيلة التركية منطقة حدودية من دولته التي كانت تجتاز دور الاضمحلال بسبب حربها على جبهتين وهي جبهة الحروب الصليبية ومعاناتها من عمليات جماعة الحشّاشين التخريبية. بعدها عيّنه السلطان السلجوقي محافظًا للحدود فأعطاه الفرصة للإغارة على الدولة البيزنطية التي كانت تجتاز دور الاحتضار. تحت شعار الجهاد نجح أرطغرل في التوسع غربًا على حساب البيزنطيين فاستولى على مدينة «أسكى شهر» ومات أرطغرل عن 93 عامًا وخلفه في الحكم ابنه عثمان سنة 1299 وهو الذي سميت باسمه الدولة العثمانية، ومضى عثمان يوسع بقعة بلاده على حساب البيزنطيين فوصل إلى البسفور، وقبيل وفاته سنة 1326 فتح ابنه أورخان مدينة بروسا فأوصى عثمان بنقل رفاته إلى بروسا في كنيسة القصر التي حولوها إلى مسجد. مات عثمان بعد أن أرسى سياسة راسخة لدولته قام على تنفيذها السلاطين الأقوياء من ذريته تدفعهم وتساعدهم الروح الدينية الجياشة والطبيعة العسكرية الصارمة والموقع الجغرافي لإمارتهم الشابة وسط كيانات سياسية في دور الاضمحلال.

بلغت الدولة العثمانية ذروة مجدها وقوتها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فامتدت أراضيها لتشمل أنحاء واسعة من قارات العالم القديم الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا، حيث خضعت لها كامل آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا. وصل عدد الولايات العثمانية إلى 29 ولاية، وكان للدولة سيادة اسمية على عدد من الدول والإمارات المجاورة في أوروبا، التي أضحى بعضها يُشكل جزءًا فعليًا من الدولة مع مرور الزمن، بينما حصل بعضها الآخر على نوع من الاستقلال الذاتي، أضحت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان الأول «القانوني» (حكم منذ عام 1520م حتى عام 1566م)، قوّة عظمى من الناحيتين السياسية والعسكرية، وأصبحت عاصمتها القسطنطينية تلعب دور صلة الوصل بين العالمين الأوروبي المسيحي والشرقي الإسلامي، وبعد انتهاء عهد السلطان سالف الذكر، ينتهى العصر الذهبي للدولة العثمانية بوفاة السلطان سليمان المشرع سنة 1566 وفيه بلغت الأوج في النفوذ الدولي والقوة الحربية والتوسع الإقليمي، بينما يتميز العصر الثاني بسلاطين ضعاف أطلق على عدد كبير منهم السلاطين «التنابلة»، لأنهم انغمسوا في المجون فأصبحت الدولة في يد مراكز قوى تتكون من الإنكشارية والحريم السلطاني والأغوات الخصيان وأخذت الدولة تفقد ممتلكاتها رويدًا رويدًا في أوروبا وأفريقيا وآسيا.

وكانت معاهدة كارلو فيتس في 26 يناير 1699 أول معاهدة تفرضها عليها أوروبا كدولة منهزمة. وتعاقب فرض المعاهدات الجائرة عليها، واستطال اضمحلالها حوالي مائة وخمسين عامًا. ويعد مؤتمر برلين الأوروبي سنة 1878 هو بداية النهاية لها إذ تكتلت عليها روسيا والنمسا والمجر وبريطانيا وفرنسا وبروسيا الألمانية والدول البلقانية الناشئة التي كانت من قبل خاضعة للعثمانيين ونجحت في تمزيق أوصال الدولة العثمانية، ثم حلّ بالدولة العثمانية أعراض الضعف والشيخوخة في وقت ازدادت فيه أوروبا قوة فأطلقوا عليها (رجل أوروبا المريض) الذي تسابقت الدول الأوروبية على موته واقتسام تركته. ولولا رغبة بريطانيا في الإبقاء على هذا (الرجل المريض) لتنفرد بتركته وتستحوذ على مصر وتقتسم الشرق الأوسط مع فرنسا ما بقيت الدولة العثمانية حية إلى الربع الأول من القرن الماضي، لتسقط سقوطًا نهائيًا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وتوقيعها معاهدة لوزان عام 1923.