الإمبراطورية العثمانية في‮ ‬شخص تركيا الحديثة لم تعد رجلا مريضا‮ ‬يمكن تفتيته بدون كارثة على المنطقة‮. ‬وإيران‮ ‬ليست الدولة‮ ‬غير المبالية التي‮ ‬لم تشملها‮ “سايكس بيكو‮” ‬وقتها، وتركت كخزان جيو-استراتيجي‮ ‬للغرب، ليفعل به ما‮ ‬يشاء في‮ ‬توازنات المنطقة‮.

غيَّرت الأمم المتحدة من عاداتها،‮ ‬أي‮ ‬عادات اكتسبتها منذ تأسيسها، وأعلنت رفضها قرار إجراء استفتاء للاستقلال‮، ‬في‮ ‬كردستان العراق‮.‬ ويبدو الموقف بالغ‮ ‬الأهمية،‮ ‬بقدر ما هو‮ ‬غير مألوف،‮ ‬حتى لا نقول‮ ‬غير مسبوق‮، ‬فقد تعلمنا من كل حوليات السياسة الدولية أن الأمم المتحدة ‬انبنت على أنقاض عصبة الأمم،‮ ‬وعلى أساس تعزيز مبدأ تقرير المصير والاستقلالات الوطنية منذ العام 1946.
ولم‮ ‬يسبق أن عارضت‮، ‬بمثل القوة والإجماع‮ ‬الحاليين، استفتاء ما،‮ ‬بقدر ما كانت دائما تضعه أول الحلول،‮ ‬عندما‮ ‬يختلّ التوازن لفائدة أطروحات انفصالية أو استقلالية، حتى ولو‮ كانت مجرد نزعات هوياتية منكمشة على ذاتها‮، فالحالة الوحيدة،‮ بعد الحرب الباردة‮، تجسدت‮ ‬في‮ ‬جزيرة‮ ‬القرم‮ مع روسيا فلاديمير بوتين‮، ففي‮ ‬مارس/ آذار 4102، صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة‮ ‬على قرار‮ ‬متميز، تجلى في‮ ‬رفضها إجراء استفتاء في‮ هذه الجزيرة‮، ‬استقلالا عن أوكرانيا، للارتباط بروسيا القيصر الجديد‮. وتأسس مبدأ الرفض على أن الاستفتاء لم توافق عليه البلاد الأصلية (أوكرانيا‮)، وعليه،‮ هو ‬يفتقد لأية مصداقية، ولن‮ ‬يكون له أثر على تغيير وضع الجمهورية‮.‬ ودعت الدول والمنظمات‮ ‬الدولية والمؤسسات الخاصة‮ ‬إلى عدم الاعتراف بها، أو القيام بأية معاملات قد‮ ‬تفهم على أساس أنه‮ ‬اعتراف بالكيان الجديد‮.‬
من المفارقات أن العراق،‮ ‬عندما ضم الكويت‮ في العام 0991‬،‮ ‬ورفض المجتمع الدولي‮ ‬تهوره اللاتاريخي‮، ‬قامت الحرب عليه، أما روسيا عندما ضمت القرم،‮ و‬رفضت الأمم المتحدة إجراءها هذا، لم تقم الحرب‮ عليها‮،‮ ‬وتلك‮ ‬مقدمة ولا شك‮ ‬لفهم التحولات الكبرى الحالية والمقبلة.‬ ويكون مفيدا دوما ‬أن نبحث في‮ ‬مفارقات الكيان الأممي‮: ‬ومن ذلك‮ طرح السؤال: ‬كيف‮ ‬يضع على لائحته الخاصة بالاستقلال‮‮ ‬الأقاليم أو المناطق التي‮ ‬يصنفها مطالبةً‮ ‬بالاستقلال،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ترفض فيه هي‮ (‬‬الأقاليم والمناطق‮) ما تريده الأمم المتحدة‮!‬ فلقد وضعت الأمم المتحدة لائحة الدول التي‮ ‬تريدها أن تجرّب وجودها عبر الاستقلال بتقرير المصير في‮ ‬سنة‮ 6491. وعلى الرغم من كل الحروب الباردة والحارة،‮ ‬ما زالت اللائحة الأممية محافظة على‮ “‬سكانها‮” ‬الانفصاليين‮.
“هل‮ ‬يكشف الرفض الأممي‮ ‬لاستقلال كردستان العراق‮ أن‮ ‬الوقت لم‮ ‬يحن بعد لإعادة تدبير الجغرافية الشرق أوسطية بما‮ ‬يخدم السياسة الجديدة؟ السؤال امتحان تاريخي”

‮‬وبمراجعة بسيطة للمواقع المهتمة،‮ ‬نجد أنها تضم منطقة‮ طوكلو‮ ‬في‮ ‬نيوزيلاندا،‮ ‬على الرغم من أن هذه الجزيرة رفضت الاستقلال عبر الاستفتاء‮ ‬مرتينَ‮!‬ كتب الصحافي‮ ‬النيوزيلاندي،‮ ‬مايكل فييلد‮، ساخرا في‮ ‬سنة ‮4002، ‬تريد الأمم‮ ‬تخليص العالم من آخر بقايا الاستعمار،‮ وهي‮ ‬تملك‮ ‬لذلك‮ ‬لائحة من 61 ‬منطقة في‮ ‬العالم،‮ ‬تكاد كلها ترفض استقلالها‮، وهو ما‮ ‬يفهم منه أن نيوزيلاندا تريد من الأمم المتحدة أن تكف عن‮ “دفع طوكلو إلى الاستقلال‮”. ‮ولا تقف المفارقة عند المنطقة النيوزيلاندية المذكورة،‮ ‬بل تضم‮ ‬أيضا جزر المالوين‮ (‬السكان صوتوا بأزيد من‮ ‬98‮٪‮ ‬بالبقاء ضمن النفوذ البريطاني‮ ‬ما وراء البحار‮) ‬وبولينيزيا الفرنسية‮، ‬والتي‮ ‬سبق سحب اسمها في‮ ‬4791، ‬ثم عادت مجددا، ما أثار‮ ‬غضب باريس بشكل مستفز‮.
‮والسؤال هو: ما الذي‮ ‬حدث أو لم‮ ‬يحدث، حتى تغيرت الأمم المتحدة من الإصرار على تقرير المصير والتشجيع على الاستقلالات‮ إلى رفضها وتغيير طبيعة مقارباتها؟ لقد‮ ‬بنى مجلس الأمن الدولي‮، ‬وهو الآمر بتصريف المواقف الأممية،‮ ‬وبدونه لا‮ ‬يمكن الحديث عن قراراتٍ جدية‮،‮ ‬معارضته الاستفتاء على الإستقلال في‮ إقليم كردستان العراق على ثلاثة مستويات كبرى‮: ‬اعتبار‮ أن من شأن ‬الخطوة زعزعة الاستقرار،‮ والمس بـ‮”‬سيادة العراق ووحدته وسلامة أراضيه‮”، ‬لا سيما وأن‮ ‬قرار الاستفتاء حول الاستقلال‮ خطوة أحادية الجانب‮‬،‮ ‬أي‮ ‬من الحكومة الكردية في‮ ‬الإقليم وحدها‮. ‬الاستفتاء‮ “‬مقرر في‮ ‬وقت لا تزال فيه العمليات ضد تنظيم‮ ‬داعش‮ ‬جارية،‮ ‬والتي‮ ‬تؤدي‮ ‬القوات الكردية فيها دورا رئيسيا‮”.‬ إجراء الاستفتاء‮ ‬يهدّد‮ بـ “إعاقة الجهود الرامية لضمان عودة طوعية وآمنة لأكثر من ثلاثة ملايين نازح ولاجئ‮” ‬إلى ديارهم‮.‬
‮وفي‮ ‬المقابل، قدم مجلس الأمن،‮ ‬ومن ورائه الأمم المتحدة مقابلا دوليا للمعضلة الكردية، ضمن النظام السياسي‮ ‬العراقي‮، وضمن وحدته الترابية‮.. ‬وذلك عبر الدعوة‮ ‬إلى‮ “حلول توافقية‮ ‬يدعمها المجتمع الدولي‮”،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تدويل الحل عوض تدويل المشكلة، كما كان الأمر بكل ما‮ ‬يتعلق بالعراق سابقا‮. وبذلك هناك نوع من التفسير في‮ ‬القضية مرتبط‮ ‬باللعبة الكبرى المجدّدة في‮ ‬المنطقة‮. فليس العراق وحده معنيا ‬بالقضية الكردية،‮ ‬والخوف‮ واضح لدى الدول من لعبة الدومينو في‮ ‬المنطقة‮، والتي‮ ‬قد تنسف أربع دول على الأقل في‮ ‬المنطقة‮: ‬تركيا،‮ ‬إيران،‮ ‬العراق وسورية.
ولا شك أن ذلك سيشكل إعادة بناء خارطة جديدة للشرق الأوسط،‮ ‬تعود فيها الإثنية ‬أساس بناء الدول،‮ ‬وهو ما قد‮ ‬يذكّرنا بـ”سايكس بيكو‮” ‬جديدة‮، غير أن الذي‮ ‬يمكن أن نحتفظ به من تاريخية

“ما الذي‮ ‬حدث أو لم‮ ‬يحدث، حتى تغيرت الأمم المتحدة من الإصرار على تقرير المصير والتشجيع على الاستقلالات‮ إلى رفضها وتغيير طبيعة مقارباتها؟”

التقسيم ومنطق‮ “‬سايكس بيكو‮” ‬هو أن التوزيع الترابي‮ ‬الذي‮ ‬جاءت به كان باتفاق دولي‮، وبناء على موازين القوة في‮ ‬وقتها. وتقول أوراق التاريخ إن‮ “اتفاقية سايكس بيكو عام‮ 6191 ‬كانت اتفاقا وتفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة من الإمبراطورية الروسية، على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، لتحديد مناطق النفوذ في‮ ‬غرب آسيا، بعد تهاوي‮ ‬الدولة العثمانية،‮ ‬المسيطرة على هذه المنطقة،‮ ‬في‮ ‬الحرب العالمية الأولى”.
اليوم لا تملك‮ ‬بريطانيا النفوذ نفسه،‮ ‬وربما فوضه التاريخ لأميركا، ولا لفرنسا النفوذ نفسه‮. وفي‮ ‬المقابل، هناك ثلاث دول على الأقل‮ ‬لا‮ ‬يمكن القفز عليها في‮ ‬أي‮ ‬توافق دولي‮:‬ الإمبراطورية العثمانية في‮ ‬شخص تركيا الحديثة لم تعد رجلا مريضا‮ ‬يمكن تفتيته بدون كارثة على المنطقة‮. ‬وإيران‮ ‬ليست الدولة‮ ‬غير المبالية التي‮ ‬لم تشملها‮ “سايكس بيكو‮” ‬وقتها، وتركت كخزان جيو-استراتيجي‮ ‬للغرب، ليفعل به ما‮ ‬يشاء في‮ ‬توازنات المنطقة‮. وسورية ‬تحت انتداب روسي‮ ‬واضح،‮ ‬صارت ميدانَ‮ ‬صراعٍ‮ ‬يحصل فيه اتفاق‮ على الاقل‮، على مستويين من مستويات تبريرات المجلس الأممي‮ ‬لقرار الرفض‮: ‬هما‮ ‬‬محاربة التطرف وعودة المهاجرين‮ ‬إذا ما حصل‮ ‬تفكّك الدول…المعنية‮!‬
هل‮ ‬يكشف الرفض الأممي‮ ‬لاستقلال كردستان العراق‮ أن‮ ‬الوقت لم‮ ‬يحن بعد لإعادة تدبير الجغرافية الشرق أوسطية بما‮ ‬يخدم السياسة الجديدة؟ السؤال امتحان تاريخي،‮ ‬قد‮ ‬يكون جوابه إيرانيَا‮ ‬تركيًا‮ ‬روسيًا،‮ ‬لكن‮ ليس في‮ ‬العرب من‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يرفع تحديه إلى حد الساعة‮!‬