مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أشرف أبوخصيوان (فلسطين)

الصراع بين الثقافات الحزبية والوطنية والشيوعية أنتجت مواطنا متناقضا، يعيش مرّة فصولا من التشاؤم، بعد أن رأى ما حصل من تغيّر في سياسة وجغرافيا دول عاشت “ثورات الربيع العربي”، ومرّات لحظات تفاؤل نتيجة فوز فريقه المفضل في مباراة كرة قدم.

أصبحت الظاهرة تغزو كلّ مقومات المجتمع، نتيجة للاستبداد الفكري الطويل الأمد الذي يعاني منه العوام بعد أن شكلت الرقابة الذاتية سيفا مسلطاً على تفكيرهم، فمن يحتاج التغيير في المجتمع عليه أن يدفع ثمنا لذلك، دون الحديث عن تناقضات فكرية أو دينية أو الدخول في مهاترات الأحزاب والفصائل وميولها العلمانية والإسلامية والشيوعية وغيرها من المعتقدات.
الغريب في الأمر، أنه لا تناقض فكري ما بين الأنظمة الحالية المتتالية، فجميعها مفعمة بحب السلطة والتملّك وكلها تسير وفق نظام المصالح العليا المشتركة للحزب والحكومة، وجميعها متفقة على أنّ جيب المواطن هو الداعم الأول لأنشطة وفعاليات الحكومة وموظفيها. أصبح التناقض في عالمنا الواقعي ملموسا، ففي الصباح ينتقد السائق سرعة السيارة التي تجاوزت عنه، ونسي أنه قبل قليل ألقى بعقب السجائر من شباك سيارته، ولم ينس المواطن الصالح أن ينتقد المؤسسة الرسمية التي تخاذلت بواجبها ولم تصلح الطرق المكسرة والغير صالحة، مستشهدا بقول سيدنا عمر “لمَ لم تفسح لها الطريق يا عمر”، ونسى أنه ترك صنبور الماء مفتوحا على مصراعيه في الشارع أمام بيته.
إنها ظاهرة المواطن المتناقض الذي عاش يجمع ثقافات الاستبداد والظلم والظلام والحريات والمعتقدات والديمقراطيات، وتعايش مع البرجوازيين والليبراليين، ونفسه أن يكون منهم، ولكن واقعه الكادح يجعل منه إنسان منقطع النصيب، يحلم بالنجوم ويعدها ويرنو في أفكاره عمق السماء باحثا عن فرصة للنجاة من طوق الفقر والعدم. إنه المواطن الذي يحلم فقط ويرى الأغنياء يطبّقون أحلامه.
ذلك المواطن الذي اعتاد دائما أن ينادي بالعدل والمساواة في توزيع الظلم على طبقات المجتمع بالتساوي هو نفسه الذي يقدّس صغار موظفي الحكومة، ويوّقر كبارهم ويعتبرهم المثل الأعلى وقدوة يحتذى بها.
الصراع بين الثقافات الحزبية والوطنية والشيوعية أنتجت مواطنا متناقضا، يعيش مرّة فصولا من التشاؤم، بعد أن رأى ما حصل من تغيّر في سياسة وجغرافيا دول عاشت “ثورات الربيع العربي”، ومرّات أخرى لحظات من التفاؤل نتيجة فوز فريقه المفضل في مباراة كرة قدم.
يمكن تقديس الثورات الحرة والشعبية والتحررية في كل بقاع العالم، إلا في عالمنا العربي، فالثورات يصنعها الفقراء والكادحون والشرفاء، ويجنى ثمارها الجبناء وأصحاب رؤوس الأموال، لذا عاش المواطن المتناقض أيضا فصولا أخرى في حياته، بعدم الإيمان المطلق بإفرازات الثورات، نتيجة سرقتها وتحويل مسارها باتجاه أهواء ومصالح شخصية، سواء للأحزاب أو أجهزة الأمن الدولية.
هناك رؤية جديدة للمجتمع المدني بأن تكون مقومات الدولة شعارات رنانة، تُرفع حينما يحتاج السياسيون لأصوات الفقراء من أجل تعزيز مكانتهم، وتمتين قوتهم وفرض سيطرتهم . كره المواطن المتناقض تلك الكلمات الثلاث (العدالة الحرية الكرامة)، لأنه يسمع عنها في نشرات الأخبار، ولا يراها على أرض الواقع، وهذا ما سبّب لديه صراعا بين ثقافة الكذب وثقافة عدم التطبيق، وأنّ أسباب النهضة المدنية في المجتمع العربي لا يمكن أن يُكتب لها النجاح بسبب الكذب والدجل الذي يمارسه رأس الهرم.
تنحني الشعوب العربية، ونحن لسنا بعيدين عنها، من أجل تقبيل أيدي الرؤساء والزعماء والقيادات، في حين لا نجد ذلك في الدول الأوروبية، والسبب أنّنا تعوّدنا على تقبيل الأيادي من أجل لقمة العيش، وأنّ الكرامة تعني لنا أن نعيش وبطوننا مليئة بالخبز، والعدالة تعني أن يتوزع الظلم بالتساوي، والحرية هي أن تحفظ رأسك عند تغيير الدول.

إعجاب تحميل...