يعيد مشهد ثلاثة قتلى وسط ساحة المشنقة المشهورة في مدينة السويداء إلى الأذهان القانون العشائري في القَصَاص ممن يكون هناك إجماع على إنزال عقوبة الموت بهم، وكان آخر تطبيق لقانون طرش الدم قد حدث في السويداء 2005.

صوت زخاتٍ كثيفةٍ من الرصاص استيقظت عليها مدينة السويداء السورية، أطلقتْ تعبيراً عن الفرح بعملية قَتْل ثلاثة أشخاص، على خلفية حادثة اختطاف فتاة قاصر، في السابعة عشرة من عمرها، بغرض الاتجار بأعضائها، إذ بيعت لسيدة من محافظة اللاذقية مقابل تسعة ملايين ليرة سورية (17 ألف دولار)، بحسب اعترافات مصورة للرجال المقتولين.
اسْتُدْرِجَتْ الفتاة إلى مستودع للأدوية في المدينة، بتوجيه من رئيس فرع الأمن العسكري في السويداء، العميد وفيق ناصر، وبالتنسيق مع قائد كتائب الدفاع الوطني، أنور الكريدي، إضافة إلى مسؤول جمعية في المحافظة تتبع لرامي مخلوف، بحسب الاعترافات.
ظهر المتهمون في أثناء إدلائهم بشهاداتهم المصورة، وآثار التعذيب ظاهرة على أجسادهم، حيث قبض عليهم أفراد من عائلة الفتاة، واختطف هؤلاء عناصر من الأمن، تم الاشتباه بعلاقتهم بخطف الفتاة. وقد نشر هذه المعلومة أقارب الفتاة على صفحتهم في “فيسبوك”.
وقد أصبحت عمليات اختطاف عناصر من الأمن أمراً معتاداً في السويداء، فهي تجري لأجل المقايضة على شبان من المحافظة معتقلين لدى الأفرع الأمنية، بذريعة سوقهم إلى خدمة العَلَم العسكرية في الجيش.. مع الإفادة بأن هذا يُعْتَبَرُ خطاً أحمر، رسمته حركةُ الكرامة التي يتزعمها رجال دين دروز منذ أواخر العام 2014.
اعترف المتهمون الثلاثة، في أثناء التحقيق معهم، بعلاقتهم المباشرة باختطاف الفتاة، وأن سبب اختيارها أن مقرّبين منها ينتمون لتلك الجمعية. وبحسب أحدهم، تمت هذه العملية باعتبارها تصفية حسابات بين اللاعبين الأساسيين في المحافظة.
وبغياب شبه كلي للقبضة الأمنية في السويداء، وخصوصا في الأحداث ذات الطابع الحساس بين العائلات، تمت تصفية المتهمين الثلاثة، من دون اللجوء للقانون أو المحكمة، وكُتبت لوحة بجانب جثثهم: هذا مصير كل خائن للعرض، ووقعت باسم أسرة الفتاة القاصر.
يعيد مشهد القتلى الثلاثة وسط ساحة المشنقة المشهورة في المدينة إلى الأذهان القانون العشائري في القَصَاص ممن هناك إجماع على إنزال عقوبة الموت بهم، وكان آخر تطبيق لقانون طرش الدم قد حدث في مدينة السويداء في العام 2005، وهو غالباً ما كان يتعلق بجرائم الشرف، أو جريمة (الخطيفة) بحسب ما هو متعارف عليه محلياً، ويشير إلى زواج إحدى الفتيات من شابٍ ينتمي إلى مذهبٍ ديني مختلف عن المذهب الدرزي، والهرب معه خارج المحافظة، حيث تستدرج الفتاة الهاربة من محافظة السويداء، برفقة شاب ينتمي إلى طائفة أخرى، إلى بيت أهلها في المدينة وتُقتل، ثم تقام الاحتفالات بهذه المناسبة، ويلاقي هذا العمل استياء كثيرين من شرائح المثقفين في المجتمع الدرزي.
غابت هذه الحوادث اثني عشر عاماً، لتعود وتؤكد أن الدولة بدأت تتجه نحو ترك أبناء السويداء يقتلعون شوكهم بأيديهم. وقضية التصفية التي حدثت قبل أيام ما هي إلا غاية ذات شعبتين، أولهما تدمير الأدلة التي تثبت إدانة رئيس فرع الأمن العسكري والمشتركين معه، متمثلة بقتل الشهود. وثانيهما تعزيز النزعة الطائفية من خلال إيجاد جرائم شرف على أيدي أبناء المحافظة، واستغلال حالتهم المادية الضيقة، وكذلك إحلال قانون العشيرة في السويداء، بعيداً عن المحاكمات العادلة، وهو ما يُبقي المحافظة في حالة صراع وعدم استقرار، والمستفيد الأكبر هو النظام السوري.
السؤال الذي يطرحه مثقفو السويداء وبقوة، وعلى نحو استنكاري، في هذه الفترة: هل تتغلب قوانين العشيرة على أحلامهم في بناء دولةٍ مدنيةٍ يحكمها القانون العادل؟