من مساخر القدر وبذاءاته أن تنبري مجموعاتٌ بوذيةٌ تعتنق عقيدة لطالما دعت إلى التسامح والتعايش بين الأعراق والأديان، لمناصبة المسلمين العداء. حدث ذلك في ظروف صعود “داعش”. وعلى وقع المذابح في سورية والعراق التي تعرّض لها المكون السنّي وشرائح اجتماعية.

بينما تدّعي زعيمة ميانمار، يونغ سان سوتشي، أن حكومة بلادها لا تخشى أي تدقيق دولي (في سلوك هذه الحكومة تجاه مسلمي الروهينغا)، تمنع السلطات في هذا البلد الآسيوي أية بعثة تحقيق دولية من أداء مهامها، لمعاينة أسوأ مظاهر التطهير العرقي. إزاء الحملة الدولية الواسعة في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي ضد السيدة المناصرة سابقاً لحقوق الإنسان وحائزة نوبل للسلام، فإن سوتشي لم تجرؤ على المواجهة، وأرسلت، يوم 19 سبتمبر/ أيلول الجاري، كلمة متلفزة إلى الجمعية للأمم المتحدة، كلمة تجافي الوقائع والحقائق، ومُفعمة باللعب على الكلمات والتدليس السياسي. حظى حزب هذه السيدة “الرابطة الوطنية لأجل الديمقراطية” بـ 85% من جملة 1100 مقعد هي مقاعد البرلمان والمجالس المحلية في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.
عن تلك الانتخابات، ورد في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، مطلع العام 2016، أنه تم “رفض طلبات أكثر من 50% من المُرشحين المُسلمين، إذ لم تنطبق عليهم شروط الترشح، جرّاء التغيرات التي طرأت على قوانين الأحزاب السياسية، وإنفاذ قانون الجنسية التعسفي عام 1982، ومن بينهم عضوا البرلمان الحالي عن الحزب الحاكم، وهما من مسلمي الروهينغا. خلت قوائم حزبي الرابطة والتضامن من أي مُرشح مُسلم في أي مكان في بورما، ولم يحصل أي مواطن مُسلم على أصواتٍ تؤهله لدخول البرلمان في البلاد. وقد أدى إلغاء بطاقات الهوية المؤقتة (المعروفة بالبطاقات البيضاء) إلى حرمان أكثر من ثمانمائة ألف شخص من التصويت. وكان سُمح لهم من قبل بالتصويت في الاستفتاء على الدستور في 2008 وفي انتخابات 2010، والكثير منهم من الروهينغا في ولاية أراكان، وذلك كله بموجب قانون الجنسية الصادر عام 1982 الذي انتهك المبادئ المتعارف عليها دولياً بنصه على تجريد الروهينغا ظلماً من حقوق المواطنة.
وترتب على هذا القانون حرمان مسلمي الروهينغا من تملك العقارات وممارسة أعمال التجارة 
“خرج رهبانٌ عن صمتهم كي يقبضوا ثمن دعم السلطة أيديولوجيا ودينياً”

وتقلد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية، كما حرمهم من حق التصويت في الانتخابات البرلمانية، ومن تأسيس المنظمات ومزاولة الأنشطة السياسية. وفرضت الحكومات المتعاقبة في ميانمار ضرائب باهظة على المسلمين، ومنعتهم من مواصلة التعليم العالي، إضافة إلى تكبيلهم بقيودٍ تحد من تنقلهم وحتى زواجهم”.
ويفيد فحوى هذا التقرير الدولي بأن أكبر أحزاب ميانمار حالياً، وهو حزب الرابطة الوطنية، ضالع في الاضطهاد العرقي والتمييز الديني، عبر مشاركته الكثيفة في انتخاباتٍ تستند إلى قوانين جائرة تُقونن الاضطهاد والتمييز. وتمشياً مع تلك القوانين، خلت قوائم حزب السيدة سوتشي من أي مرشح مسلم.
في هذه الأثناء، تعجز الأمم المتحدة عن اتخاذ قراراتٍ تؤدي الى وضع تدابير تحد من الفظائع في ميانمار. ويستند العجز إلى مواقف ممالئة لحملة التطهير، تعبّر عنها كل من الصين وروسيا. ففي يوم 12 سبتمبر/ أيلول الجاري، صرح متحدث باسم الخارجية الصينية بأن بلاده “تدعم جهود ميانمار للحفاظ على السلام والاستقرار في ولاية راكين”، وتدين هجمات العنف في المنطقة (في اشارة إلى هجماتٍ قالت سلطات ميانمار إن محتجين من الرهينغا قاموا بها ضد مراكز للشرطة). وأضاف المتحدث الصيني “نعتقد أن على المجتمع الدولي دعم جهود ميانمار للحفاظ على الاستقرار الوطني”. وفي يوم 8 سبتمبر/ أيلول، كانت المتحدثة بلسان الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، تصرح بأن “الضغط على سلطات ميانمارا واتهامها بدون أدلّة بمعاملة المسلمين بقسوة قد يؤدي الى تفاقم الوضع في البلاد”.
وبهذا، فإن بكين وموسكو تريان أن أفضل رد على ما يجري في ذلك البلد الآسيوي هو الامتناع عن ممارسة أية ضغوط على سلطاته، وكذلك دعم جهود ميانمار (في حملة التطهير) من أجل المحافظة على الاستقرار فيه! وقد تسبب هذان الموقفان من الدولتين الكبيرتين بعجز المنظمة الدولية عن التدخل لإنقاذ أرواح آلاف البشر، على الرغم من مناشدات الأمين العالم، أنطونيو غوتيريس، للزعيمة البورمية، لأن تفعل شيئا يحدّ من المأساة. لكن السيدة سوتشي تتصلب، كما دلّت كلمتها المتلفزة، مستفيدة من الدعم الصيني والروسي، والارتخاء الأوروبي والأميركي إزاء إجراءات حكومتها.
وبينما ترجع هذه الإجراءات في ميانمار إلى عقود أربعة خلت، فإن دراسة لباحث إيطالي، هو إنزو بيس، نشرت ترجمتها مجلة البحرين الثقافية (يوليو/ تموز 2017)، تفيد بأن شطرا رئيسا من الحركة البوذية في سيرلانكا وفّر الغطاء الإيديولوجي للحملة ضد التاميل في هذا البلد خمسة وثلاثين عاما. ووجد التاميل أنفسهم في حالة إقصاء بعد استقلال سيرلانكا عام 1972، على الرغم من مشاركتهم في الكفاح ضد الاستعمار البرتغالي، وقبله البريطاني، لبلادهم. ومعظم التاميل من الهندوس، وبينهم مسيحيون ومسلمون. وقد نشط رهبان بوذيون خرجوا من الأديرة من أجل بلورة صورة بلادهم وواقعها دولة بوذية، ومزجوا بين كل من الدين والهوية والقومية، وقد دأبوا على دعم الجيش ضد نمور التاميل حتى العام 2009، ثم تحول العداء،

“لم يحصل أي مواطن مُسلم على أصواتٍ تؤهله لدخول البرلمان في البلاد”

منذ ذلك العام وحتى أيام الناس هذه، نحو المسلمين عدوا رئيسيا، مع احتساب هؤلاء يلوثون نقاء الشعب وأرض بوذا، ويمثلون تهديدا. ويجري شن الحملات على مسلمي سريلانكا بتعبئة الرأي العام ضد الطقوس الإسلامية في ذبح المواشي، وكذلك ضد تكاثر المسلمين، ويعمل رهبانٌ على شن حملات تدعو إلى مقاطعة المسلمين بالامتناع عن شراء منتجات إسلامية، أو من تجار مسلمين. ويطلق الرهبان الأصوليون في سريلانكا هؤلاء على حركتهم التي تحظى بدعم رسمي اسم “قوة السلطة البوذية”، ويماهون في موقعهم الإلكتروني بين “داعش” كل المسلمين. وقد مثلت هذه المجموعات مصدر إلهام للراهب البورمي، آشين ويراثو، الذي سبق أن اعتقل في العام 2003، لبثّه مشاعر الكراهية، لكن جنرالاتٍ في جيش ميانمار أسهموا في الإفراج عنه، ثم في دعمه، وصولاً إلى مشاركة رهبان من أتباعه خلال الأسابيع الماضية، بحمل السواطير وقطع الرؤوس وإحراق بيوت الروهينغا، وبادعاءٍ بات علنياً، مفاده بأن المسلمين ودينهم يشكلون خطراً على ميانمار (كما الحال في سريلانكا التي غادر فيها الرهبان الأديرة لمحاربة الآخر التاميلي ثم المسلم).
من مساخر القدر وبذاءاته أن تنبري مجموعاتٌ بوذيةٌ تعتنق عقيدة لطالما دعت إلى التسامح والتعايش بين الأعراق والأديان، لمناصبة المسلمين العداء. حدث ذلك في ظروف صعود “داعش”. وعلى وقع المذابح في سورية والعراق التي تعرّض لها المكون السنّي وشرائح اجتماعية أخرى خلال السنوات الخمس الأخيرة. وفي حالة جنوب شرق آسيا، خرج رهبانٌ عن صمتهم ورهبنتهم، كي يقبضوا ثمن دعم السلطة أيديولوجيا ودينيا في سريلانكا وميانمار، وكي يشاركوا في الجانب المظلم من السلطة، واستضعفوا المسلمين في البلدين، وخاضوا في دمائهم، مستثمرين تخبّط العالم الإسلامي، وانحطاط السياسة الدولية التي يدعي بعض أركانها، في بكين وموسكو، مكافحتهم الإرهاب، فيما هم يوفرون بلا حياء غطاء دبلوماسياً لمجازر مشينة ضد المدنيين.