الحرب أي حرب، يمكن التفكير فيها من زاوية الرايات العالية فوق القائد المهيب، لذة القوة والفخر، ويمكن التفكير فيها من زاوية جثث الأطفال، وصرخات الحزانى على الأزواج والآباء والإخوة. أطراف مبتورة ملقاة بلا أجساد. عيون مفقوءة. ألم ألم.

الطفلة ذات السنوات الخمس استيقطت فجأة على ظلام تام. من أغلق المصباح؟ ببطء ورعب فهمت أن الظلام قادم من عينيها المغلقتين تحت كتل الدماء والورم. مدّت يدها تحاول رفع جفنها بأصابعها الصغيرة، لعل ضوءاً ما يدخل. في هذه اللحظة بالضبط، التُقطت هذه الصورة، لتتحول إلى أيقونة جديدة لعذابات أطفال العرب في قائمةٍ تمتد من محمد الدرة إلى إيلان ضحية اللجوء السوري.
فقدت الطفلة بثينة الريمي إحدى عينيها، وعائلتها بالكامل، أمها وأباها وإخوتها الأربعة، في قصف التحالف العربي على منزل أسرتها في منطقة عطان في صنعاء نهاية الشهر الماضي. اعترف التحالف رسمياً بالواقعة، وقال إنها نتيجة خطأ تقني سيتم التحقيق فيه، وقال في بيانه “القصف الخاطئ في صنعاء أضر بمنزل قرب مركز اتصالات للمليشيات”، مع توجيه اللوم للحوثيين لإقامة الموقع المستهدف وسط أحياء مدنية. بالطبع لا تذكر البيانات الرسمية في أثناء الحروب أموراً هامشية كعيون الأطفال.
استخدم فريق الحوثيين وعبدالله صالح صور بثينة على نطاق واسع لتعبئة أنصارهم، وهكذا أتى الرد بصور مماثلة من الطرف الآخر، من أبرزها صورة الطفل أحمد عواد (6 سنوات). ينظر ولا يرى بعينين صناعيتين، لأنه فقد عينيه بسبب لغم يدوي على شكل لعبةٍ تركه الحوثيون في قريته الغول في البيضاء. تبادل الطرفان الصور، ليمتلئ “تويتر” اليمني بالأطفال فاقدي البصر أو الأطراف أو الحياة.
الواقع أن كلا الطرفين على حق، فكلاهما قتل المدنيين اليمنيين في هذه المنافسة التي يخسر طرفاها. إنسانياً يقتل تحالف الحوثيين وصالح المدنيين بالقصف العشوائي بالهاون والمدفعية، وبنشرهم كميات ضخمة من الألغام المموهة، كالتي أفقدت عواد بصره، خصوصا في البيضاء وتعز. وفي المقابل، وثقت المنظمات الدولية عشراتٍ من حالات قصف التحالف العربي، بقيادة السعودية، على أهداف مدنية، كأسواق ومنازل. وهناك بالطبع واقعة قصف قاعة العزاء الكبرى في صنعاء التي قُتل وأصيب فيها نحو 700 شخص.
سياسياً، تآمر تحالف الحوثي وصالح لتنفيذ انقلابٍ بقوة السلاح على الحكومة الشرعية. معسكرات كاملة من الجيش، خاصة بالحرس الجمهوري الذي كان يقوده نجله، تسلم عتادها للحوثيين أو تنضم إليهم. لا دولة ولا قانون ولا وطنية، فقط القبيلة والمصلحة. قرّر الرئيس المحروق أن يحرق البلد، لكنها لن تخضع لغيره. لا يهم إهدار مليارات الدولارات، ولا يهم دماء الآلاف. المهم أن يستمر الراقص على رؤوس الأفاعي في رقصته الدموية. نظام حكم آخر يتصرف مثل احتلال أجنبي أو أبشع.
من هذه الزاوية، كان التدخل العربي مُتفهماً جداً، خصوصا بعد توثيق تسليح إيران الحوثيين بشكل مباشر، لكن غير المتفهم هو قبل كل شيء التعامل شديد التساهل مع صالح منذ الوساطة الخليجية بعد الثورة، ثم بعد الحرب غياب أي مشروع سياسي لحلٍ جامع يُنتجه اليمنيون، ومنهم أيضاً الحوثيون باعتبارهم نسبة من السكان لا يمكن إهمالها، أو تعليق كل أزماتها التاريخية على الشماعة الإيرانية.
حدث العكس تماماً، دخول الحرب بسقف معلن ينوي الحسم العسكري الكامل، وهو المستحيل بحكم الجغرافيا والديمغرافيا، ثم مع استطالة الحرب تفتتت الأهداف السياسية، إلى حد أن أًصبحت أعلام الجنوب تُرفع فوق المدرعات في بعض المحافظات في مواجهة “علم الوِحدة” في أماكن أخرى. وإلى حد أن تتكرّر الاشتباكات المسلحة بين قوات الحزام الأمني الموالية للإمارات في عدن وقوات الحماية الرئاسية التي يقودها نجل الرئيس الحالي، عبد ربه منصور هادي، كما شهدت تعز اشتباكات داخلية متعددة بين فصائل المقاومة الشعبية، بعضها سقط فيه مدنيون، مثل اشتباكات سوق الديلوكس.
ومن وراء كل الأطراف، يأتي شبح الكوليرا الكاسح، 600 ألف إصابة و2045 ضحية لمن لا يميز بين إنسان وآخر.
بشكل عام، الحرب أي حرب، يمكن التفكير فيها من زاوية الرايات العالية فوق القائد المهيب، لذة القوة والفخر، ويمكن التفكير فيها من زاوية جثث الأطفال، وصرخات الحزانى على الأزواج والآباء والإخوة. أطراف مبتورة ملقاة بلا أجساد. عيون مفقوءة. ألم ألم.
أياً كان موقفك من حرب اليمن، لا تتخذه إلا وأنت تشاهد عيون بثينة وعواد تنظر إليك ولا تراك.