شكلت التفجيرات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت العواصم الغربية، تحديًا أمنيًا كبيرًا للاستخبارات الغربية. إذ تتفق هذه الأخيرة على أن مواجهة هذه الظاهرة والاستعداد لها ومجابهتها، عمل جد صعب، إن لم نقل مستحيل كون هذه العمليات جد معقدة وسرية ومنسقة.

لقد برهن تنظيم داعش (الذي يتبنى العمليات الإرهابية) على إمكانياته الكبيرة في شن سلسلة من الهجمات في كل المدن الأوروبية، وحنكته التكتيكية القادرة على تكييف مخططاته وفق الظروف المحلية للمدن أو الأماكن المستهدفة. وعلى استهداف أكبر عدد ممكن من المدنيين، وزرع التوتر والذعر داخل المجتمع الأوروبي، الذي يحس الفرد فيه أنه مستهدف في أي مكان، وفي أي زمان.

إن هذا النهج الذي يتعامل به الإرهابيون لزرع الفوضى في المدن والمجتمع الأوروبي، إنما هو من تخصص الخلايا النائمة، التي يصعب التعرف عليها، وترصد صفوفها، والتنبؤ بمخططاتها. وتعمل هذه المنظومة السرية في الجماعات الإرهابية بسرية تامة. وتسعى جاهدة لاصطياد شباب متطرف، وتشكيل مجموعات لا يتعرف فيها الأطراف على بعضهم البعض أحيانًا إلا في وقت تنفيذ العمليات التفجيرية. وأحيانًا أخرى يقوم بها أشخاص متطرفون من تلقاء أنفسهم، دون الرجوع إلى تنظيم الخلايا النائمة.

ويبقى هذا النوع الأخير والمعروف «بالذئاب المنفردة» أخطر هذه الأنواع، فهم أشخاص منفردون يقومون بتنفيذ هجمات إرهابية، بشكل منفرد دون أن تكون هناك رابطة أو علاقة واضحة تربطهم بالتنظيم الإرهابي، وذلك بدوافع عقائدية أو اجتماعية أو نفسية أو سياسية… ما يسهل من عملهم الإرهابي وتحركاتهم. كون سلوكهم لا يثير الشك أو الريبة لدى مصالح الأمن والاستخبارات.

إن هذا الكابوس الجديد هو أكبر تهديد وخطر تواجهه الاستخبارات الداخلية، ودوائر القرار في العواصم الغربية. خاصة بعد استهداف كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا في فترات غير متباعدة. رغم أن مصالحها الأمنية والاستخباراتية كانت في حالة تأهب قصوى، ومن جانبها الحكومات اتخذت حزمة من الإجراءات وسياسات جديدة. كفرض الرقابة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق فيما بينها.

لقد تأكد الغرب أن كل السياسات الوقائية المنتهجة للحد من هذه التنظيمات والخلايا لم تجد نفعًا، بل أصبحت حاجزًا أمام الأسس الديمقراطية وعائقًا للحريات الفردية، فأصبحت الحواجز الأمنية والتفتيش اليومي صورة روتينية يعيش فيها الإنسان الأوروبي، وترتسم أكثر على مستقبل الأمن والسلم المحلي والإقليمي، وتمهد للدولة البوليسية.

لقد حاولت الإدارة الأمريكية مواجهة الإرهاب الذي هدد أمنها القومي في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بما عرف آنذاك بالحروب الوقائية، أو الحروب الاستباقية. والتي تلخصت في وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي أعلنها الرئيس بوش الابن في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2002. وجوهرها هو استعمال القوة لتحقيق الأهداف الدبلوماسية، وعرف هذا المبدأ بمبدأ بوش أو مونرو.

وكان قد أشار جورج بوش إلى هذه السياسة في خطاب له في 1 يونيو (حزيران) 2001. معلنًا عن ما عرف بالتحرك الوقائي، مؤكدًا على أن السياسات المنتهجة لفترة طويلة من القرن الماضي، التي اعتمد فيها الدفاع الأمريكي على الردع ومحاصرة القوة، لا تصلح الآن. ولا بد من تفكير جديد لمواجهة أسوأ التهديدات المحتملة.

وتعتمد سياسة الحروب الوقائية على قاعدتين أساسيتين هما:

1 – الضربات المباغتة قبل ظهور الأدلة.

2- استخدام السلاح النووي، في حالة ما لم تحقق الأسلحة التقليدية الهدف.

وتم التدخل في أفغانستان في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001، كرد على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بشعار «اقتل أو تُقتل، افترس أو تمت».

وللمقارنة بين ما عاشته الولايات المتحدة بعد تلك الأحداث، وما تعيشه أوروبا اليوم، يجب أن نتساءل في المقابل، هل حققت الحروب الوقائية الاستقرار والأمن؟ وهل يمكن اتباع هذا الأسلوب لمحاربة الخلايا النائمة؟

طبعًا لم تحقق تلك السياسات الأمريكية شيئًا للأمن والسلم الدوليين، لا بل شكلت عقبة في سبيل تحقيقهما، وجعلت من مفهوم النظام الدولي مرادفًا للفوضى.

أما أوروبا اليوم فيمكنها الخروج من المأزق، وإنهاء هذه التناقضات والطرق المسدودة، التي قادت القارة العجوز إلى رسم خطوط النار والموت داخل أراضيها.

ومن أجل استراتيجية يمكن أن تسمح لأوروبا بالخروج من المأزق الأمني والسياسي والثقافي والحضاري، وبناء معالم لمستقبل بوجه إنساني، عماده الاستقرار والسلام لابد من:

1- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم اللجوء إلى القوة والحرب. ودعم الحلول السلمية لحل القضايا المستعصية، وهذا تفاديًا للحقد والعداء ضد أوروبا، الذي سيولد أوتوماتيكيًا العنف والتطرف والإرهاب.

2- مراجعة السياسة الخارجية الأوروبية التي تدعم دولًا حاضنة للإرهاب، لغرض المصلحة الاقتصادية والسياسية.

3- بعث قيم التسامح الثقافي والحضاري والديني في أوروبا، وإيقاف موجة العداء للإسلام الذي أصبح الديانة الثانية في أوروبا.

4- قطع الطريق أمام نخب اليمين المتطرف، التي أحدثت شرخًا وسط المجتمع الأوروبي، وأثارت الحقد والعداء لكل ما هو أجنبي.

5- إعادة صياغة علاقات شمال-جنوب بين دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط، التي تقوم على الهيمنة، وبعث التعاون السياسي والاقتصادي، على أساس تعاوني تشاركي، لحل الخلافات الجوهرية، خاصة مشكلة الهجرة.

على أوروبا أن تفتح صفحة جديدة، بالعدول عن فكرة الهيمنة، واستعداء الآخر، وفرض النمط الغربي، عن طريق الفوضى والحرب. لأن المشكلات التي تولدها هذه الفوضى في كل من العراق، أفغانستان، اليمن، سوريا، ليبيا، فلسطين، لبنان… وشاركت أوروبا في هندستها، أصبحت مشكلات العالم كله. ولن تُحل لا بالتدخل ولا بالاستباق. وإنما باحترام الآخر، والاهتمام به، وإنهاء لغة الإخضاع والإكراه، وسياسة التدخل.