كمن يجلس علي الجمر رحت أنتظر صاحبتي الآتية من الزمن البعيد في زيارة قصيرة للقاهرة محملة بالذكريات القديمة العزيزة. اعتدلتُ في مقعدي وأنا أجذبُ خيالي عنوة كلما سرح هنا أو هناك لأستعيد ملامح صديقة التلمذة التي لم أرها منذ سنين، يتملكني فضول قاتل لأعرف كيف أصبحت، ماذا تغير فيها وماذا تبقي من لونا التي أعرفها. كانت لونا أجمل طالبات المدرسة أو المدارس التي تنقلنا فيما بينها، تدخلُ وافدات جديدات علينا يتمتعن ببهاء ملحوظ وحسن ظاهر لكن لونا تظل هي الأبهي، يخرطنا خراط البنات ونبدأ في الاهتمام بقوامنا وشعرنا ونعومة جلدنا وأظافرنا لكن لونا يظل لها سحرها الخاص وإشعاعها المختلف. كانت ذات وجه أبيض مستدير مشرب بحمرة سرعان ما تتحول إلي اللون القاني إن هي خجلت أو غضبت، تتناثر نقاط من النٓمٓش المحبب بكثرة على خديها وتتكثف فوق أنفها فلا تشبهها بهذه الصفة أيُ من قريناتها حتى تصبح علامتها المميزة دون منازع، شعر كثيف وناعم تحاول أن تكبح جماحه بأستك غليظ حتي إذا حان موعد الفسحة وجرت لونا معنا وتقافزت تمرد الشعر الحرير علي طوقه فإذا هو يُسدِل علي كتفيها بساطا برتقاليا فاقعا لونه. كانت بنتا مختلفة بكل المقاييس ليس فقط في شكلها الخارجي لكن أيضا في شخصيتها فهي صديقة الجميع ، لم تكن الأشطر علميا لكنها بالتأكيد كانت الأشطر اجتماعيا.

***
تأخرت لونا في الحضور هكذا تقول عقارب الساعة التي تزحف ببطء نحو منتصف النهار، أقع علي بعض البقع البنية فوق يدي يعرفها جيدا كل من يتقدم به العمر لكنها ليست كثيرة بعد.. شتّان بين تلك البقع وبين نٓمٓش لونا الحبيبة، كان نٓمٓش لونا قرينا لألوانها الخاصة الأبيض والبرتقالي والعيون التي تتأرجح ما بين البني والأخضر أما هذه البقع فوق يدي فلها شأن مختلف .. مختلف تماما، تأخرت لونا .. طلبت فنجانا آخر من الكابوتشينو ورحت أنتظر. علي طريقة أفلام السينما المصرية حين يتواعد اثنان لم يسبق لهما اللقاء- رحت أتأمل هذه السيدة التي انتصبت أمام مائدتي تتفرسني بشغف، هي ؟ ليست هي ؟ ، كثير مما أعرفه في لونا يوجد في هذه السيدة ، الجسم المائل للامتلاء والعينان ذواتا اللون المراوغ وآثار باهتة جدا للنمش الذي كان يغطي وجهها. احتضٓنْت نصف صاحبتي التي تربيت معها سنوات طويلة حتي تزوجٓت وهاجٓرٓت ، احتضٓنْت نصفها فقط لأن الشيء الأبرز في لونا التي أعرفها اختفي ..هذه البقع البنية القليلة الباهتة يحسبها الناظر طارئة وهي ليست كذلك ، إنها من أثر النٓمٓش القديم . تحدثٓت لونا فتدفقت الذكريات على لسانها، أتابعها بشوق وحب واهتمام لكن فصاما مؤقتا تحقق في إدراكي بينها وبين حكاياتها المروية، بدا لي كما لو أن واحدة أخرى تنقل عنها قصصها أو أنها ليست هي هي .

***
توجد بين الشخص وملامحه علاقة وطيدة يعرفه الناس بها ويكونون الصورة الذهنية عنه على أساسها، فإن تغيرت هذه الملامح لم تعد تتطابق مع الصورة المرسومة لهم. المفارقة بين الأصل والصورة نسبية وتتوقف على درجة التغير في الملامح الشخصية، لكن مع ذلك فإن هذه المفارقة باتت حقيقة تفرض نفسها مع التطور الكبير في عمليات تجميل الوجه والجسد. مهما تقدم العمر بالمرأة يظل الجمال والشباب ضالتها وتظل كلمات الإطراء ترضيها وتسعدها حتى وهي تعلم أن فيها من المجاملة أضعاف ما فيها من الحقيقة ، تتغير وظيفة المرأة فتكون ربة بيت أو عاملة لكن وظيفة مرآتها لا تتغير .. تعكس آثار مشاعرها وسنها فتُفرِح وتُحزِن. أتفهم جدا دوافع المرأة التي ترقد على طاولة العمليات الجراحية لتصير بعد ساعات أشّب وأجمل لكن خيطا ما ينقطع بيني و بين هذه ال " هي " الجديدة ، وربما الأدق القول إن مرحلة أخرى من تاريخ علاقتي بهذه ال " هي " الجديدة تبدأ ، فهل تبدأ قطيعة مماثلة بين صاحبة الأنف الأدق أو الأسنان الأبيض أو الجلد المشدود وبين نفسها ؟ يتوقف الأمر علي مدي تقبُّل المرأة لصورتها المغايرة في المرآة ومدي استعدادها للتأقلم معها. هناك من النساء من تعذر عليهن التعرف علي ذواتهن بعد التغيير فانتحين جانبا لحين التطبيع ، لكن هناك أيضا من ألِفنٓ واقعهن الجديد واستمتعن به. وعودة إلي لونا فلقد سلط الطبيب أشعة الليزر على وجهها شهورا طويلة ليزيل النٓمٓش الذي كان يكسوه ، و لم تكن مهمته ميسورة لكن لونا كانت مُصّرة على التغيير، هي لم تحب في نفسها ما أحببناه جدا فيها ولعلها لم تعرف ذلك عنّا ، ولو عرفت فما كان ليتغير في الأمر شيء فالأهم أن تحب لونا نفسها .

***
تكلمنا .. ثرثرنا .. طفنا بعوالم منفصلة وأخرى متصلة قدر تشابك ماضينا ثم تشعبه .. تكلمي.. تكلمي أكثر يا صديقتي .. غوصي أكثر في حصصنا ورحلاتنا وأسرارنا وحبنا وانكساراتنا ومباهجنا المشتركة ... غوصي وذكريني بالورد المجفف في كتبنا وبالمقالب الصبيانية أدبرها لكِ وتدبرينها لي فنتجافى ونعود .. غوصي أكثر فأكثر فلعلك تساعديني علي أن أجدك فيكِ وأصل إلي جوهرك الذي أعرفه .. أما اسمك " لونا " فهو من نسج الخيال .