مما لا مرية فيه ولا ارتياب أن الله تعالى خلق الأناسيّ بلغات وقوميات وأعراق شتّى، وجعل ذلك من آياته الدالة على عظمته وقدرته، قال تعالى (ومنْ آياته خلْق السّموات والْأرْض واخْتلاف ألْسنتكمْ وألْوانكمْ إنّ في ذلك لآيات للْعالمين) (سورة الروم:22) وخاطب الناس جميعًا بأن يجعلوا من هذا الاختلاف وسيلة للتعارف والتقارب كما جاء في الآية الثالثة عشر من سورة الحجرات (يا أيّها النّاس إنّا خلقْناكمْ منْ ذكر وأنْثى وجعلْناكمْ شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكْرمكمْ عنْد اللّه أتْقاكمْ إنّ اللّه عليم خبير).

وقد أوصلت منظمة اليونسكو عدد اللغات في العالم إلى سبعة آلاف لغة، منها لغات منقرضة كاللغة النبطية التي كان يتكلم بها أهل الأردن، واللغة الفينقية التي كان يتكلم بها أهل فلسطين ولبنان وسورية، وقد ذكرت منظمة اليونسكو أن 2500 لغة منقرضة أو في طريقها إلى الانقراض، مثل لغة (جروس فينتري) في شمالي وسط مونتانا التي لا يصل عدد المتحدثين بها إلى عشرة أشخاص، جميعهم مسنون، وليس بينهم من يتحدث بها بطلاقة، إذ توفي آخر هؤلاء عام 1981م، ولغة (ليميرج) يتحدث بها سكان جزيرة فانواتو التي تقع جنوب المحيط الهادي، ولا يستطيع نطقها بطلاقة سوى شخصين فقط، ولغة (شيميهوفي) إحدى لغات قبائل السكان الأصليين التي تعيش على ضفاف نهر كولاردو، يتحدث بها ثلاثة أشخاص فقط.

ودولة مثل (بابوا غينيا الجديدة) يبلغ عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، إلا أنّ فيها ( 832) لغة، وثمة 199 لغة لا يتحدث بكل منها أكثر من عشرة أشخاص.

ومنها لغات اصطناعية قام بإحداثها بعض الناس، مثال ذلك لغة (أسبرانتو) قام بوضعها (لوديف زمنهاوف) طبيب عيون بولندي عام 1887م لتكون اللغة المركزية للعالم، والآن تجاوز عدد المتكلمين بها مليوني شخص في العالم.

واللغة الكردية حالها حال بقية اللغات لها ضوابطها وقواعدها، ولها تاريخها وأمجادها، والآن تجاوز عدد المتكلمين باللغة الكردية في العالم أربعين مليونا.

وقد تعرضت إلى بيان بعض تلكم الأمجاد السجلات والآثار الآشورية عند الكلام عن دولة ماد أو ميديا الكرد التي ظهرت في الألف الأول قبل الميلاد وقبل أن تؤسس للفرس دولتهم الأولى المشهورة بالدولة الإخمينية والحكم الإخميني على أنقاضها.

ومذ بزوغ شمس الإسلام على المعمورة دخل الكرد في الإسلام زرافات ووحدانًا، وظهر منهم علماء أجلاء في كافة الجوانب والميادين العلمية، وكان لهم قصب السبق في بعض ميادينها من القضاة والمفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين واللغويين والنحاة والصرفيين والمؤرخين والفلاسفة والمناطقة والمتكلمين والفلكيين والأطباء والأدباء والشعراء وغيرهم.

وإذا كان من الصعب – إن لم يكن من المستحيل علينا – عدهم فإنني أراني ملزما هنا بذكر نماذج من هؤلاء الجهابذة بدءا بميمون الكردي المحدث الشهير والتابعي الكبير، وأبيه جابان الكردي الصحابي الجليل الذي أدرك النبي ولكنه كان يأبى أن يحدث ولده بما سمعه من النبي إلا حديثا أو حديثين، ولما سأل مالك بن دينار ابنه: لماذا لا يحدث عن أبيه وقد أدرك؟ قال له ميمون: كان أبي لا يحدثنا عن النبي مخافة أن يزيد أوينقص(1)، ومرورُا بابن الصلاح الشهرزوري المحدث وابن خلكان المؤرخ والحافظ العراقي والحافظ أبي زرعة وابن الحاجب وابن تيمية والبيتوشي والبنجويني والقرداغي وابن الخياط وابن آدم وغيرهم كثير.

ويكفينا للاستدلال على ما نقول أنه لم يكن هناك على المعمورة كلها وعلى مر التاريخ بلدة اشتهر أهلها بالقضاء وكثر فيهم القضاة كشهرزور والشهرزوريين.

يقول المؤرخ الكبير ياقوت الحموي في معجم البلدان:

“خرج من هذه البلدة من الأجلة والكبراء والأئمة والعلماء وأعيان القضاة والفقهاء ما يفوت الحصر عدّه ويعجز عن إحصائه النفس ومدّه، وحسبك بالقضاة بني الشهرزوري جلالة قدر وعظم بيت وفخامة فعل، وذكر الذين ما علمت أنّ في الاسلام كله ولي من القضاة أكثر من عدتـهم من بيتهم”(2)

والشهرزوري بفتح أوله وسكون ثانيه وضم الراء والزاى نسبة إلى شهرزور بلدة كبيرة معدودة من أعمال إربل بناها زور بن الضحاك وهي لفظة اعجمية معناها بلد زور، ومات بها الاسكندر ذو القرنين.(3)

وفي الجانب الاقتصادي – لاسيما الصناعي منه – بلغوا منـزلة تصدير منتوجاتـهم إلى الآخرين حتى وصل إلى رسول الله شيء منها.

فقد روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أن رسول الله أخذ كرديا لأبي جهم. أي رداءً كرديًا.(4)

وجاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود(5) : [ أن الكردي نسبة إلى الكرد، وهم – أي الكرد – قبائل كثيرة يرجعون إلى أربع قبائل: السوران، والكوران، والكلهـر، واللر، كذا في شرح القاموس(6).

وينقل الزبيدي عن المسعودي أن الكرد هم طوائف شتى والمعروف منـهم السورانية والكورانية والعمادية والحكارية والمحمودية والبختية والبشوية والجوبية والزرزائية والمهرانية والجاوانية والرضائية والسروجية والهارونية والرية إلى غير ذلك من القبائل التي لا تحصى كثرة وبلادهم أرض الفارس وعراق العجم والاذربيجان والاربل والموصل.(7)

وجاء في سير أعلام النبلاء للذهبي: عن يونس: كان الحسن –أي ابن علي بن أبي طالب – يلبس في الشتاء قباء حبرة، وطيلسانًا كرديًا، وعمامة سوداء.(8)

وفي الطبقات الكبرى لابن سعد: عن يزيد بن حازم انه قال: رأيت على علي بن الحسين طيلسانًا كرديًا وخفين يـمانيين غليظين.(9)

وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي في ترجمة ابن أبي ذئب، الفقيه الصالح: أن جعفر بن سليمان لما ولي على المدينة المرة الأولى أرسل إلى ابن أبي ذئب بـمائة دينار فاشترى منها ساجًا كرديًا بعشرة دنانـير.(10)

ولا يخفى ما لعشرة دنانير من الذهب من قيمة ووزن عند الناس يومئذ وإلى يومنا هذا، إذ يعتبر من يملك ضعفه – أي عشرين دينارًا من الذهب – غنيًا يجب عليه الزكاة.

والغريب في هذه القصة أن ابن أبي ذئب هذا لبس الساج الكردي بقية عمره، ثم لبسه ولده بعده ثلاثين سنة، كما روى الخطيب.

والساج هو الطيلسان الضخم الغليظ.

هكذا كان الشعب الكردي، وهكذا لا بد أن يكون كل شعب حر يأبى التسول على موائد الآخرين.

وفي جانب القوة والشهامة فسر غير واحد من العلماء [قوْم أولي بأْس شديد](سورة الفتح:16) بالأكراد كما جاء في تفسير ابن كثير.(11)

وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي(12) عن الكرد: [وهم أولو بأس وقوة وعدد وكثرة].

وأظهر الكرد مذ دخلوا في الإسلام قوتـهم وشجاعتهم في سبيل نصرة الإسلام، فالصحابي الكردي الجليل جابان -أ بو ميمون التابعي – لما اغتنم الفرصة وتشرف بالانفراد بالنبي وآمن به واحبه،وتلقى من فمه الشريف رواية أو روايتين؛ قفل راجعًا إلى كردستان ولما يطلع أحد من الأصحاب على ما دار بينه وبين النبي.

وكردستان مذ تقوض دولتها المعروفة بـ “ميديا أو ماد” على يد الدولة الأولى للفرس التي أقيمت على أنقاض ميديا الكرد إلى تلكم السنوات التي عاد فيها جابان إليها؛ كانت تعاني من تسلط الفرس عليها، وحينئذ فشا في الدولة الكسروية – سيما العائلة المالكة – الشقاق والخلاف، فلم يعد كسرى يثق ببني قومه ويطمئن إليهم لحراسته الخاصة، ومن هنا اتسع المقام لأحفاد الميديين الكرد مجال ومقام، واتخذ كسرى لنفسه جيشا منـهم، عداده خمسة آلاف فارس، جيش مهيب، سريع الحركة، محمول كله،فارعوا القامات، كاملوا العدة، أولوا بأس شديد في مواقع الحرب والطعان.

ولما حمي الوطيس في معركة القادسية وأثخن الجيشان بالجروح والدماء، وبلغت القلوب الحناجر، وقتل من الفريقين العدد الكثير، أعاد رستم القائد العام لجيش كسرى الالتماس من سيده مرارا أن يزج الجيش الكسروي في القتال، إلى أن وافق كسرى وأصدر أوامره إلى “ديلم” الكردي المادي – قائد جيشه الخاص بالتوجه لقتال الجيش الإسلامي.

وصل الجيش بقيادة ديلم الكردي ولكنه فاجأ الجميع من الفريقين وفعل ما لم يتوقعه متوقع، واستدار خلف الجيش الإسلامي فأسرع سعد بن أبي وقاص بتوجيه سرية خاصة استطلاعية ولما اقتربت السرية تلقاها الفرسان الأكراد بالتحية والسلام بدل القنا والسهام، وأعلنوا أنـهم قد أسلموا سرا منذ زمان.

ولكن البلاذري في فتوح البلدان يرى أنـهم أسلموا وقتئذ وأن عددهم كان أربعة آلاف.

ثم أتم ديلم استدارته ممطرا جيش رستم بوابل من السهام المواضي والقنا العوالي، واخترق الفرسان حومة الوغى من كل جانب وأتوا بالعجب العجاب، وأداروا الدائرة للمسلمين على الجيش الكسروي.

ثم احتفل الجيشان بالنصر العظيم، ولقبوا جيش ديلم بـ “الحمراء “وحمراء ديلم” وزار القعقاع بن عمرو اخاه ديلم راجيًا أن يقبله جنديًا من جنوده.

ولما استتم فتح عاصمة المدائن، ثم جلولاء، ثم حلوان، واندحر جيش كسرى إلى الأبد عيّن عمر بن الخطاب سلمان الفارسي واليًا على المدائن، واثنين من حمراء ديلم على حلوان وجلولاء.(13)

ويأتينا بعد ذلك المستشرق الفرنسي “ماسنيون” ليغالط الناس ويقول بأن حقد الكرد الدفين على الفرس الذين أقاموا دولتهم على أنقاض دولة ميديا الكردية هو الذي صنع ذلك. (14)

وربما كانت هذه القوة والشوكة والغيرة التي كانوا يمتلكونـها من أسباب طعن غيرهم فيهم.

وأنا لا أريد منك أن تؤمن بمثل هذه الأمجاد، ومن حقّك أنْ تناقش وتردّ، ولكن أدعوك إلى التريث في الحكم على قوم من غير دليل من الله ولا برهان بأحكام جائرة كما يأتي بيانها.

وربما تستغرب – أيها القاريء النبيل – إنْ أخبرتك بأنّنا في هاته الأيام الحبلى بالطائفية المقيتة ألفينا بعض علماء الشيعة، يتكلمون باسم الله والمذهب، ويحرّضون النّاس على إحياء فلسفة الكراهية ضد الكرد بدعوى أنّهم من الجنّ وقدْ أمر الأئمة المعصومون بقتلهم، وإبادتهم.

وإذا أردت الدليل على هذا الإرهاب الفكري فانتظرنا في الحلقة الثانية من هذا المقال، وسوف نحاول أن نذْكر هناك – إن شاء الله – نماذج من هذا التهييج الطائفي المقيت.