“لم أتلق أي تعليم، سوى بعض دروس الحساب بمدرسة في باريس إلى أن التحقت في عمر السادسة عشر، وعلى الرغم من أننى كنت عاطلة تمامًا، إلا أن الأطفال في ذلك الوقت كان عليهم أن يصنعوا كثيرًا من الأشياء الجيدة، كهدايا أعياد الميلاد ومتعلقات الدمى، ووجدت نفسي أختلق قصصًا وأؤدي أجزاءها المختلفة، فلا يوجد شيء يدفعك للكتابة كالملل” كانت هذه هي كلمات ملكة روايات الجريمة (أجاثا كريستي) حول ما الذي جعلها تتخذ مسار الكتابة في مقابلة مع إذاعة الـBBC عام 1955م، ولكن أهو الملل وحده ما خلق أسطورة هذه السيدة، ربما الملل بدأ الحكاية التي تستحق أن نتأملها لنتساءل، ليس عما كتبت، بل عن كيف كتبت، السطور التالية ما هي إلا محاولة إلا استخلاص نصائح للكتابة من سيرة هذه السيدة:

اكتب عن حياتك.. اكتب عما تراه

لن تكتب شيئًا طالما تنتظر أن يهبط عليك الوحي بجمل لم يكتبها أحد من قبل، تصف فيها أماكن غير موجودة بنيتها في خيالك رغمًا عنها، ومعلومات خرافية تربك بها قراءك.

فكانت حياة أجاثا كريستى هي المرجع الأساسي لها، وقالت في مقابلة معها ”لم أكتب أبدًا إلا عن أشياء أعرفها، عن حياتي، عن تجاربي عن أشخاص قابلتهم”.

– بداية من (ديفن ) المدينة التي نشأت فيها وصورتها في بعض رواياتها بأماكن ومواقع حقيقية، كما استلهمت من تطوعها خلال الحرب العالمية الأولى واحتكاكها باللاجئين البلجيك فى بلدها شخصية مسيو (بوارو) المحقق الأجنبي الذي أتى إلى إنجلترا بعد تقاعده من البوليس البلجيكي، وبدأ رحلته منذ روايتها المنشورة الأولى.

(the mysterious affair at styles) القضية الغامضة في ستايلز، التي نشرت عام 1922م.

كما أن دراستها مع كيمائيين وعملها كمساعد صيدلى فى تلك الفترة جعلها على احتكاك بالسموم وتحضير الأدوية فأصبح وسيلة القتل المفضلة فى روايتها والتى وصفته فى مذكراتها “منذ أصبحت محاطة بكل هذه السموم أصبح من الطبيعى أن يكون السم هو وسيلة الموت التي اخترتها).

-وجدتها (مارجريت ميلر) استلهمت منها شخصية المحققة (ميس ماربل ) التي ظهرت في اثنتي عشرة رواية من رواياتها، فاستلهمت منها طبع التحري والشك الدائم في الآخرين.

أحب المغامرة

يقول الكاتب (مايكل ستانلى) “إن الناس يتصورون أجاثا كريستى امراة ارستقراطية متقاعدة تجلس وراء الآلة الكاتبة طوال الوقت، إلا أنها كانت رحالة مغامرة ”، فسفرها الدائم مع زوجها الأول (آرش كريستى) وسفرها مع زوجها (ماكس) الذي كان يعمل في التنقيب عن الآثار في بلاد الشرق، فصحبته في رحلاته في بلاد كثيرة، كالعراق وسوريا، وهو ما استلهمت منه روايات من أشهر رواياتها، مثل:

(Murder on the orient express) جريمة في قطار الشرق ، و(Death on the nile) موت فوق النيل.

سجل أفكارك

لأن للأفكار أجنحة – ليس بالمعنى الإيجابي للجملة بالطبع – حيث لا تتوقع من عقلك أن يحتفظ بكل الخواطر والملاحظات التي ترد إليه لتستدعيها وقتما تشاء، ففي عام 2005 م تم اكتشاف مسودات لـ(أجاثا كريستى) مكتوبة بعشوائية شديدة تحمل تفاصيل شخصيات أبطال رواياتها وتفاصيل الأحداث، فكانت تلك هي طريقتها لتصيد الأفكار الي ترد إليها قبل أن تنساها ،ربما هذا هو السبب الذي جعلها ترفض طلبات الصحافيين بالتقاط صور للمكان الذي تفضل الكتابة فيها، لتخبرهم أن أي مكان به منضدة يفي بالغرض.

محاولاتك الأولى غالبًا لن تنجح

لا تيأس حين يرفض العالم كتاباتك؛ فعادة ما تكون المحاولات الأولى غير جيدة بما يكفي، أو جيدة، ولكن لم تجد من يعرها اهتمامًا بعد، فقبل روايتها الأولى (القضية الغامضة في ستايلز ) التي لاقت رفضًا من كثير من الناشرين قبل الموافقة عليها، كانت أجاثا كريستي قد كتبت عددًا من القصص القصيرة، ورواية طويلة واحدة، وصفتها أجاثا نفسها بأنها رواية كئيبة.

كن ناقلًا أمينًا عن أبطالك

فقراؤك لن يفهموا أبطالك إذا فشلت في التحدث من وجهة نظرهم، لذا يجب عليك أن تبحر في نفوس الشخصيات التي تصنعها، فعلى الرغم من أن أجاثا كريستي صورت القتل كجريمة بشعة، إلا أنها تمكنت من أن تعبر عن التكوين النفسي لشخصياتها ببراعة، سواء شخصية القاتل أو شخصية المحققين.

فترى الكاتبة (صوفى حنا ) كاتبة روايات بوليسية أن أجاثا على الرغم من أنها تمكنت من وصف الأشياء الظاهرية جيدًا، إلا أنها كانت تنبش تحت سطح تلك المظاهر، وتعتقد أن رواية (بعد الجنازة) هي أفضل روايات أجاثا، ليس لأن دافع القتل بها كان فريدًا، ولكن لأنها استطاعت أن توصل القراء لإحساس ”بالتأكيد لن أقتل لهذا السبب، ولكن لقد فهمت لماذا قامت تلك الشخصية بهذا الفعل”.

حتى شخصيات المحققين صاغتها ببراعة، فجعلت (بوارو) محققًا أجنبيًا، ويهوى مراقبة وملاحظة الآخرين، وغالبًا ما يكون فعل المراقبة مقبولًا نوعًا ما حين يصدر من أجنبي، و(ميس ماربل) التي لا تثق في أحد، فأظهرتها (أجاثا) كآنسة عجوز، تراكمت لديها خبرات التحرى من طول شكها بالآخرين.

اكسر القواعد

-الالتزام بالقواعد رائع، لكن اعرف متى يصبح تجاوزها رائعًا؛ كي لا تحبس قلمك بما هو سائد حولك، فلم تخش أجاثا كريستى أن تخرج عن المسار: ففي روايتها (The murder of(Roger ackroyed) مقتل روجر أكرويد، التي نشرت عام 1926 م كان قراراها بأن تُروى القصة على لسان القاتل؛ كسرًا لكل قواعد أدب الجريمة في ذلك الوقت؛ لتصبح واحدة من أفضل رواياتها.

التجاوز الثاني كان في رواية (And then there were none) ثم لم يبق أحد، التي نشرت عام 1939، والتي تحكي عن عشرة أشخاص كل منهم لديه سر في حياته، يدعون لقضاء عطلة في جزيرة، ثم يموتون واحدًا تلو الآخر، إلى أن نعرف في النهاية أن القاتل هو أحد هؤلاء الأشخاص، حيث استغنت فيها أجاثا عن (مسيو بوارو) و(ميس ماربل)، فلا محققين في هذه الرواية، مضحية بالكثير من التشويق؛ لتبحر أكثر في الجانب المظلم للنفس البشرية.

ارض عن حياتك

لتستطيع أن تأخذ منها، فحتى المصاعب التي ستواجهها تستطيع أن تجعل منك كاتبًا جيدًا، ليس للكتابة عن الأحزان بالطبع، بل لأنك لن تحتفظ بتفاصيل الأشياء طالما كنت حاقدًا عليها.

فكل المحن التي مرت بها (أجاثا كريستي) ظهر أثرها في أدبها بشكل أو بآخر، فربما كانت الأزمة المالية التي تعرضت لها عائلتها بعد وفاة والدها وهي في عمر الحادية عشر؛ دفعها لأن تجعل المال هو دافع القتل في أكثر من نصف رواياتها.

كما أن الأزمة الكبرى التي تعرضت لها كانت عند طلاقها من زوجها الأول (أرشى كريستى) بعد تعرفه على امرأة أخرى، وهي المرحلة التي اختتمت كتابتها عنها بـ”بهذه الكلمات تكون الفترة السعيدة والواثقة والناجحة من حياتي قد انتهت”، لتخوض بعدها تجربة السفر في قطار الشرق لأول مرة بمفردها والتي كتبت عنها ”لقد طفت العالم كله مع أرشي، واليوم على أن أقوم بهذا بنفسي…”، وترى (لورا تومسون) كاتبة السيرة الذاتية لأجاثا أن هذه الأزمة جعلتها تكتب روايات من نوع معاكس لنوعها المفضل، ولكن تحت اسم مستعار (مارى ويستمكوت)، روايات رومانسية ليس بنفس الكفاءة، ولكنها كتبتها حين اختلطت عليها الأمور في الحياة الواقعية.

وربما كان أطرف تعامل لأجاثا كريستى مع الأشياء التي لا تحبها تم معرفته بعد نشر رواية (N or M) عام 1941 م، التي كان أحد شخصياتها جاسوس ألماني أطلقت عليه اسم Bletchey، وعندما سألتها المخابرات البريطانية: لماذا اختارت هذا الاسم، فقالت “لقد تعطلت في هذا المكان في طريقى من أكسفورد للندن، وكان الانتقام أن أطلقت اسمه على أسوأ شخصية في الرواية“.