يضيء تقدير الموقف التالي، والذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، على عدة جوانب تتعلق بالاستفتاء الذي تعتزم إجراءه رئاسة إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر/ أيلول الجاري، من قبيل الإجابة على الأسئلة: ما مصير العراق؟ وما موقف الدول الإقليمية؟

بعد ثلاث سنوات من إعلان رئيس حكومة إقليم كردستان العراق؛ مسعود البرزاني، نيته إجراء استفتاء في تقرير المصير، فإنه يتجه إلى إجراء هذا الاستفتاء في موعده المقرّر في 25 أيلول/ سبتمبر 2017. وكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، والتي تعد أعلى سلطة قضائية في البلاد، أصدرت قرارًا بوقف إجراءات الاستفتاء إلى حين حسم الدعاوى المقامة بعدم دستوريته. ومع إصرار حكومة البرزاني على إجرائه في موعده، تتصاعد المواقف الدولية الرافضة إجراء الاستفتاء، خشية حدوث أزمة كبرى داخل العراق، تمتد إلى الإقليم كله، بعد أن هدّد رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بإمكان اللجوء إلى القوة، إذا أدّى الاستفتاء إلى انتشار العنف والفوضى، عادًّا ذلك انتهاكًا لسيادة العراق. ومن بين كل المواقف الدولية حيال توجه إقليم كردستان العراق نحو الاستفتاء على “تقرير المصير”، يستأثر الموقفان؛ التركي والإيراني، باهتمام خاص، من حيث إن الدولتين تريان نفسيهما الأشدّ تأثرًا بما يجري في شمال العراق؛ بسبب وجود أقلياتٍ كرديةٍ كبيرة في أراضيهما، وفي مناطق متاخمة للمناطق التي يقطنها الأكراد شمال العراق. فضلًا عمّا يمكن أن يطلقه قيام دولة كردية من نزعاتٍ انفصاليةٍ في سائر المنطقة، ستقود إلى تغيراتٍ كبيرة في المنظومة الإقليمية، لا يمكن السيطرة عليها.

دوافع إقليم كردستان

يتمتع إقليم كردستان العراق بحكم ذاتي كامل منذ عام 1992، وقد أعطاه الدستور العراقي الذي جرى إقراره في ظل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2005، صلاحياتٍ واسعة، بما فيها تشكيل حكومة خاصة به، وإنشاء أجهزتها الأمنية والعسكرية، وإقامة قنصليات، واستقبال مسؤولين أجانب، وإجراء تعاملات خارجية من دون العودة إلى الحكومة المركزية في بغداد. وللإقليم أيضًا علَمُه ونشيده الوطني. وقد سمحت الشراكات الاقتصادية والأمنية، مع تركيا والولايات المتحدة خصوصًا، بمراكمة ما يمكن عدّها “سيادة محدودة” للإقليم.
ومع أن حلم الاستقلال الكردي قديم، فإن مظاهر السيادة المحدودة هذه ساهمت في تغذية 
“مظاهر السيادة المحدودة ساهمت في تغذية التطلعات الانفصالية للإقليم عن حكومة بغداد”

التطلعات الانفصالية للإقليم عن حكومة بغداد، وكانت هذه التطلعات تخبو وترتفع، بحسب موازين القوى مع الحكومة المركزية، وكذلك وفق الظروف الدولية والإقليمية السائدة. لكن بعض العوامل، مثل صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وسيطرته على مساحاتٍ واسعة من شمال العراق وغربه صيف عام 2014، وتوجّه الولايات المتحدة إلى الاعتماد على الإقليم، وخصوصًا قوات “البشمركة” الكردية، في التصدّي له، وكذلك في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق، مثلت فرصة سانحة لرئيس إقليم كردستان للإعلان عن نيته إجراء استفتاء في الاستقلال، لكنه لم يضع تاريخًا محددًا له إلا في حزيران/ يونيو 2017.
ومع بلوغ الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية نهايتها، أخذت قيادة الإقليم، ممثلة بالرئيس مسعود البرزاني، تنظر إلى الاستفتاء بوصفه مخرجًا لها من أزماتٍ وملفاتٍ شائكة كثيرة، تتصدّرها مسألة “المناطق المتنازع عليها” بين أربيل وبغداد، وخصوصا ما يتعلق بمحافظة كركوك الغنية بالنفط، والمناطق التي دخلتها قوات البشمركة إبّان معركة الموصل الأخيرة. كما أن الإقليم الذي وضع يده على أسلحة ثلاث فرق عسكريّة في الجيش العراقي فرّت أمام تنظيم الدولة الإسلامية في حزيران/ يونيو 2014، لا يرغب في إعادتها إلى الحكومة العراقيّة، ويعدها تعويضًا عن “الأعباء المادية والعسكرية” التي تحمّلها الإقليم في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة نينوى. فضلًا عن ذلك، يمثل الاستفتاء مخرجًا للرئيس البرازني في مواجهة جملة تحديات سياسية واقتصادية حرجة، وكذلك لشرعية وجوده في السلطة، بعد انتهاء فترة ولايته والتمديد له (وهو عامل شخصي ذاتي لا يجوز التقليل من أهميته في توقيت هذه القرارات المصيرية)؛ الأمر الذي دفعه إلى تعطيل البرلمان عام 2015، واحتقان علاقته، بسبب ذلك، مع القوى والتيارات السياسية الكردية الأخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير.
وتبرز الانتخابات البرلمانية العراقية المزمع إجراؤها في ربيع 2018، بوصفها دافعًا مهمًّا آخر لقيادة الإقليم لرفض تأجيل الاستفتاء؛ إذ ترى أربيل أن الانتخابات العامة المقبلة سوف 

“قيادة الإقليم تنظر إلى الاستفتاء بوصفه مخرجًا لها من أزماتٍ وملفاتٍ شائكة كثيرة”

تفضي إلى تغييراتٍ جوهرية في المشهد السياسي العراقي، تسمح للحشد الشعبي المدعوم إيرانيًا بتعزيز مواقعه في السلطة، بعد تنامي شعبيته بين العراقيين الشيعة، في مقابل تراجع مكانة الأحزاب والقوى التقليدية الأخرى. وما يعمّق مخاوف أربيل أن قادة الحشد لا يخفون استياءهم مما يعدّونه استغلالًا كرديًا لأوضاع العراق وصراعاته الداخليّة منذ عام 2003، لتحصيل مكاسب إضافية لا يتضمنها الدستور، وتوظيفها للمضي في خيار الانفصال، وقد أعلن قادة الحشد، غير مرة، عن رغبتهم في إعادة سلطة “الحكومة المركزية” إلى مختلف أرجاء العراق، بما فيها إقليم كردستان العراق.
يبرز خلاف المعارضة الداخلية الكبيرة التي تبديها الحكومة المركزية، وقوى سياسية أخرى، لإجراء الاستفتاء، موقف إسرائيل المؤيد من دون تحفظ للانفصال، بوصفه يصب في مصلحة الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، بحسب رئيس حكومة الأخيرة، بنيامين نتنياهو، الذي بادر إلى الإعلان عن هذا الموقف، من دون أن يسأله أحد، كما تبرز إقليميًا مواقف كل من تركيا وإيران من حيث أنهما الأشد معارضةً لاستقلال إقليم كردستان العراق.

محدّدات الموقف التركي
جاء الموقف التركيّ متوقعًا في رفضه خطوة الاستفتاء؛ إذ وصفتها الخارجية التركية في 9 حزيران/ يونيو 2017 “خطأ مميتا”، وعدّها رئيس الوزراء بن علي يلدرم قرارًا “غير مسؤول”. وقد تصاعدت نبرة الخطاب التركي تدريجيًا مع اقتراب موعد الاستفتاء وتنامي الرفض الدولي له، لتتضمن تهديداتٍ مبطنةً باستخدام القوة، كما جاء في تصريحات وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، في 14 أيلول/ سبتمبر 2014. لكن التصريحات السابقة، وإن كانت تتماشى مع المقاربة التركية التقليدية تجاه المسألة الكردية، لا تفسّر بمفردها توجهات صانع القرار التركي تجاه الإقليم، قبل الاستفتاء أو بعده. فالعلاقات بين تركيا والبرزاني تعود إلى عام 1987، بعد تبني الأخير استراتيجية تقوم على التوافق مع أنقرة، لإضعاف منافسه في الساحة الكردية حزب العمال الكردستاني، الخصم الأبرز لتركيا.
وعلى الرغم من تعرّضها لهزات واختلالات عدة، حافظت علاقات الجانبين على مسار تطوّرها خلال العقد الماضي؛ إذ كان الإقليم بوابة أنقرة تجاه العراق، لموازنة النفوذ الإيراني، وتعويض خسائرها الاقتصادية الناجمة عن موقفها الرافض للغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وفي ضوء الاعتمادية الاقتصادية، والتنسيق العسكري المشترك، إذ يحتفظ الجيش التركي بمعسكر له داخل أراضي إقليم كردستان في بعشيقة، قد يفهم الموقف الحالي للحكومة التركية من الاستفتاء بأهدافه الآنية، ولا يمثل بالضرورة توجهًا إستراتيجيًا يحكم العلاقات المستقبلية مع الإقليم. فداخليًا، وبينما يدعو بعض نواب حزب العدالة والتنمية إلى احترام خيار “شعب كردستان العراق”، يرفض حزب الحركة القومية اليميني الاستفتاء، ويدعو إلى مواجهته. وأمام هذا الواقع، تبدو الحكومة مضطرةً إلى تصعيد نبرتها الخطابية ضد الإقليم وقيادته، تجنبًا لأي تداعيات محتملة على تفاهماتها الحزبيّة، ضمن المشهد السياسي داخل تركيا، قبيل خطوة

“تصاعدت نبرة الخطاب التركي تدريجيًا مع اقتراب موعد الاستفتاء وتنامي الرفض الدولي له”

 الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2019. وإقليميًا، تتشارك أنقرة وأربيل المخاوف بشأن تنامي قوة الحشد الشعبي، وتعاظم النفوذ الإيراني في العراق من خلاله. لكنها، من جهةٍ أخرى، تسعى إلى الوصول مع طهران إلى تفاهماتٍ تخص المسألة الكردية، بحيث تتعاون تركيا مع إيران لمواجهة تداعيات نتائج الاستفتاء في العراق، في مقابل تعاون إيران مع تركيا لمحاربة قوات الحماية الكردية في سوريّة.

الرؤية الإيرانية
يبدو الموقف الإيراني أشدّ حزمًا في معارضة الاستفتاء من تركيا، بل كان استفتاء الإقليم أحد العوامل الرئيسة في التقارب السياسي والعسكري بين البلدين خلال الأشهر الماضيّة. ويعود موقف إيران إلى مجموعة عوامل داخليّة وخارجيّة، فالمسألة الكردية في إيران، وإن كانت تداعياتها أقل وطأةً من مثيلاتها في تركيا والعراق، تمثل مصدر قلق دائم لدولةٍ متعدّدة الإثنيات والقوميات، مثل إيران خصوصا. ويفاقم من هذه المخاوف عودة مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدكا) إلى نشاطهم العسكري في إيران، إثر توقف دام زهاء 15 عامًا من جهة، وتصاعد هجمات مقاتلي حزب الحياة الكردستاني (جناح حزب العمال الكردستاني في إيران)، في المناطق الحدوديّة، من جهة ثانية.
وتخشى طهران أن ينعكس انفصال إقليم كردستان سلبيًا على دورها الإقليمي، بعد أن ضمنت موقعًا متقدمًا في العراق وسورية خلال السنوات الماضية، وترى أن الخطوة الكردية تتناغم مع التوجه الأميركي الرامي إلى تقليص نفوذها عبر تقطيع جغرافي لأوصال الدول التي تنشط ضمنها. وفي سياقٍ مواز، يثير الحماس الإسرائيليّ الرسمي لاستقلال كردستان العراق، هواجس جدّية في إيران، عن إمكان تنامي النشاط الإسرائيلي في مناطق قريبة إليها جغرافيًا.
انطلاقًا مما سبق، يمكن أن نفهم تهديدات الحكومة العراقيّة والحشد الشعبي بالتدخل العسكريّ في كردستان العراق، بوصفها رسائل إيرانيّة أيضًا عن الخيارات المحتملة لطهران، لو استمرت حكومة الإقليم في نهجها الحاليّ. وفي هذا السياق أيضًا، يمكن وضع تهديدات رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية، كريم باقري، خلال زيارته تركيا، وهي الأولى من نوعها لرئيس أركان إيراني منذ عام 1979، بخصوص القيام بإجراءاتٍ مشتركةٍ تركيةٍ – إيرانيةٍ لمواجهة التداعيات المترتبة عن احتمال مضي الإقليم في خيار الاستقلال.

خاتمة
من غير الواضح أن حكومة إقليم كردستان سترضخ للضغوط العراقية والإقليمية والدولية الداعية إلى تأجيل الاستفتاء، أو ستتحداها وتمضي في إجرائه، ولا سيما أن المستقبل السياسي لرئيس الإقليم، مسعود البرزاني، بات معلقًا به أكثر من أي وقت مضى. أما إذا قرّر البرزاني التراجع عن قراره، أو عدم تنفيذ نتائج الاستفتاء بعد إجرائه، فالأرجح أنه سيستخدم ذلك ورقةً تفاوضيةً للحصول على أثمانٍ كبيرة من الحكومة المركزية في بغداد، سياسيةً كانت، متصلة بتسوية وضع المناطق المتنازع عليها، أم اقتصادية، ليبرّر تراجعه عن موقفه أمام الناخب الكردي الذي دخل أجواء وعود الاستقلال بحماسة كبيرة، علما أن إقليم كردستان يئن تحت وطأة ديْنٍ كبير يقدر بما يراوح بين 10-12 مليار دولار، أي ما يعادل الناتج الإجمالي المحلي، في وقتٍ عجزت فيه حكومة الإقليم عن دفع رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين منذ شهور عديدة.
ولو تراجع البرزاني عن إجراء الاستفتاء، فسيقدّم ذلك بوصفه استجابة لـ “العرض الدولي”، الذي قدّمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فضلًا عن الأمم المتحدة، ويتضمن، في ما سُرِّب منه، تأجيلًا للاستفتاء، توازيه مفاوضات بين حكومة بغداد وإقليم كردستان لحسم النقاط العالقة.