لا تُظهر ردات الفعل الرافضة لإلغاء منشور 1973 في تونس والسماح بالتونسيات المسلمات بالزواج بغير المسلمين أي تدين، بقدر ما تعكس ازدواجية تامة للمعايير القيمية لدى الأفراد، وتفاوتًا رهيبًا ما بين خمسة معطيات رئيسية؛ الفرد، المجتمع، الدولة، الدين، القانون.

فمن خصائص القاعدة القانونية أنها جاءت لتنسجم وتحقق متطلبات اجتماعية معينة، وتتلاءم مع الثقافة الجماعية المشتركة، وإلا ما حازت على الشرعية لتطبيقها.

إن الحالة التي نتعايش معها هي انقسام القاعدة القانونية في هذا المجتمع، فهي تقوم بتدجين المحافظين والمتدينين عبر إضفاء لمسات تزيينية من القيم الدينية (كتجريم العلاقات الجنسية خارج الزواج، المثلية الجنسية، الإفطار العلني في رمضان…)، فتتدخل الدولة في الحريات الفردية للأفراد بمسمى الدستور (الإسلام دين الدولة) وتحت ستار الحفاظ على النظام العام، على أن التنظيم الديني (الإسلامي) للعقوبات غائب في هذه الدول أساسًا، اللهم في دول كالسعودية وإيران (الجلد، والرجم، وقطع اليد…)، وغياب هذا التنظيم واستبدال القانون الوضعي به والإجراءات الجنائية الحداثية والمؤسسات العقابية، لم يلق اعتراضًا من قبل الأفراد المعتدلين من قبل، رغم أن الدين واحد لا يتجزأ، ومع ذلك فإن مسألة كالسماح للتونسيات بالزواج المدني، أو المطالبة بالمساواة ما بين الجنسين في الإرث من قبل، تبقى مسائل مثيرة لحافظة العامة وغير مقبولة.

هناك تشابك وثيق بين ما هو ديني وما هو مجتمعي، فيصعب علينا استيعاب الحد الفاصل ما بين هذا وذاك، فمراسيم عيد الأضحى مثلًا، أو عاشوراء، تجاوزت المسألة الدينية لتصبح في صلب المنظومة التراثية وتقليدًا هوياتيًا، كذلك المهر الذي يدفعه الرجل للمرأة (الصداق)، ولا عجب أن تجد الملحدين في دولنا هذه يرددون كلماتٍ من قبيل الحمد لله تعبيرًا عن الرضا مثلًا، أو إن شاء الله تعبيرًا عن شيء مستقبلي… إلخ.

إن القواعد الدينية قابلة للتأويل، وما يثور عليه المدافعون باسم الدين الآن، قد يصبح منطقيًا بعد حينٍ في نفس المجتمع ويتم استيعابه (كمحاربة الرق في القرن الماضي الذي كان مرفوضًا ومستهجنًا حتى في الدول الإسلامية، فالسعودية لم تلغِ الرق حتى الستينيات، وتعليم الإناث، كذلك مسألة تصويت النساء في الدول الأوروبية، وإدماج ذوي الأصول الأفريقية في المجتمع الأمريكي،زواج المثليين… إلخ)، من جهة أخرى نجد أن الحجاب على سبيل المثال لم ينتشر إلا في السبعينيات، ولم يُعرف قبل الفتاوى الوهابية أبدًا أن تغطية شعر المرأة هو لزامٌ ديني أو (فرض)، بل على العكس من ذلك، كانت زوجات مشايخ الأزهر، والطالبات الجامعيات في كليات الشريعة عاريات الشعر، وما أن تم استيعاب الفكرة حتى وجدنا (المصريات كنموذج منذ الثمانينيات) يغطين رأسهن منذ سن المراهقة، كشرط اجتماعي وكضرورة جماعية لا تتعلق بالدين بحد ذاته.

المسار الثاني الذي نحن بصدده هو ازدواجية الخطاب في الدولة، إذ إن المدلول القيمي للأفراد يقع ما بين حاجزين، الهوية والحداثة، وهذا ما انعكس على البناء السياسي والمؤسساتي للدولة، وسلوك الأفراد وأنماط العلاقات القائمة بينهم.

إذ إنه من الملاحظ أن الانفتاح العالمي على المواثيق والاتفاقيات الدولية الذي عرفته الدول العربية الإسلامية منذ التسعينيات بسبب الضغوطات الدولية الاقتصادية، جعله يخوض مسلسل ملاءمة الاتفاقيات الدولية على صعيد التشريعات الوطنية  خصوصًا في مجال حقوق الإنسان (نموذج مدونة الأسرة، مدونة الشغل في المغرب…)، فرفع  المغرب الحظر على مجموعة من التحفظات خصوصًا على مستوى حقوق النساء (كتعديل قانون الاغتصاب سنة 2014، واللجوء إلى إصلاح في قانون الإجهاض، وكرفع المغرب بعض تحفظاته على الاتفاقية الدولية لمناهضة أشكال التمييز ضد المرأة، ومنها المادة 9 والتي تتعلق بمنح الأم الجنسية لأطفالها سنة 2011، والمادة 16 التي تتعلق بالمساواة مع الرجل في العلاقة الزوجية…)، ووقف عقوبة الإعدام… إلخ، ومع ذلك فإن هذا المد الحقوقي الذي تعرفه الدولة، قد بقي مُحافظًا ومحتشمًا، ولم يساير حقوق الإنسان المتعارف عليها بصفة كونية، بدعوى مسألة المقدسات، ولو أن المغرب مثلًا قد خاض مجموعة من التحفظات الدولية سابقًا بدعوى المس بهذه المقدسات (الشيء الذي يتضح من خلال تطور المنظومة الحقوقية للمرأة)، وتجاوزها رغم أن المسألة الدينية  نفسها لم تختلف.

وفي مقابل ذلك عرفت تطورات جد مهمة في المجتمع المغربي وينعكس ذلك من خلال بُعدٍ أساسي، يتعلق بالجهر العلني في الفضاء العمومي بالانتماءات الدينية والجنسية المتمايزة عن المجتمع (سواء في الميادين كحركة مصايمينش بالمغرب، وصايتي حريتي…) أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وهذا ما أصبح شائعًا، بل حتى المجتمع المدني قد أصبح في توجهاته ينادي بحماية حقوق الأقليات، والحريات الفردية، وعدم ممارسة ثقافة التهميش والإقصاء والتعصب، كما تنادي أغلب الجمعيات بتغييب الطابع الديني على التنظيم السياسي للدولة، وإلغاء القوانين ذات المرجعية الدينية في القوانين (مثلًا في المغرب حركة ماصايمينش والمطالبة بإلغاء المادة 222 من مجموعة القانون الجنائي المغربي، والمادة 490 التي تجرم العلاقة الجنسية خارج الزواج والمادة 489 المتعلقة بالمثلية، والمادة 39 من مدونة الأسرة المتعلقة بموانع الزواج المؤقت كزواج المسلمة بغير المسلم). بل وقد ظهر للوجود مجموعة من الحركات (في المغرب) متخصصة ومستقلة فقط في الدفاع عن التوجهات العقائدية والجنسية (مثال: جمعية أقليات كأول جمعية لمناهضة التجريم والتمييز ضد الأقليات الجنسية والدينية، سبقتها حركتا كيف كيف، وأًصوات). الشيء الذي يجعلنا بصدد انفتاح في مسألة التعاطي مع حقوق الرأي والتعبير، وما كان قيميًا خطًا أحمر سابقًا،قد تم تجاوزه  نسبيًا، وعلى الأقل مجتمعيًا حاليًا.

إلا أن هذا الانفتاح الذي أصاب الرأي العام وفئة الحقوقيين، والشبيبة، والمثقفين، يصطدم بالمسألة القانونية للدولة، بدءًا من الدستور الذي ينص على أن النظام إسلامي (وفي المغرب نجد النظام الملكي مشرعنًا بمؤسسة إمارة المؤمنين)، مرورًا بستار النظام العام والذي يعد مفهومًا هلاميًا قابلًا للتأويل حسب الأهواء، حيث غالبًا ما تلجأ إليه الدولة لممارسة الرعونة على الأفراد بدعوى الحفاظ على المنظومة الأمنية، من خلال توجهات القضاء، أو الإعلام العمومي والبروباغاندا، أو حتى المقررات المدرسية، واستغلال المساجد لتمرير الخطاب السياسي.

إن هذا الازدواج في المعايير لدى الأفراد من مخلفات النظام الكولونيالي، ونتاجٌ لنظامٍ معولم، فأضيفت قيم جديدة مرافقة للقيم الأصلية وتحورت قيم أخرى معهما، فأصبح المجتمع منقسمًا وملونًا بأكثر من صبغة لا هوية موحدة لأفراده ومؤسساته السياسية وقوانينه، فلا هو تقليدي ولا هو تمام الانفتاح. وتحيلنا هذه المسألة إلى تناقض أخلاقي وديني ولا انسجام ما بين الدولة والمجتمع، فيتطور المجتمع تطورًا موازيًا للتطور البطيء الذي تعرفه الدولة، فتبقى المسألة رهينة بتطور الفضاء العمومي ليشمل القدرة على التعبير عن المطالب والتأثير في الرأي العام، ورفع هذه الحقوق إلى أجندات السلطات وتحويلها لمخرجات حسب نظرية ديفيد إيستون لتؤطر كافة المواطنين وتمثلهم، وكذلك قدرة ممارسة الدولة سياسة الاحتواء والتواصل، وإمكانية التوفيق ما بين منظومة حقوق الإنسان بشكلها الكوني وخصوصية النظام الديني الثقافي للدولة، دون المس بالحريات الفردية.

وختامًا، تونس تسير نحو تأسيس توجه علماني تام في الدولة، فبفصل الدولة الدين عن المؤسسات والقوانين، تظل مسألة تطبيق الدين أو عدم تطبيقه من صلب الضمير الفردي للأشخاص. ومسألة كإمكانية زواج مسلمة من غير مسلم تظل مسألة قناعة شخصية، ولا يعني بالضرورة أن كل المسلمات سوف يقمن بالزواج بغير مسلم، ولو أن هذا بدوره حرية فردية لا يحق لأي كائن كان أن يتدخل فيه.

واستنكار المعارضين لهذا لا يدعو للاستغراب، بل يمكن تفهمه ما دام نابعًا من تأصيل اجتماعي وديني معين متوارث، إلا أن ما يدعو للاستغراب هو كم الازدواجية في هذه القناعات، ومحاولة فرضها غصبًا، وانعدام ثقافة احترام الآخر، وإقصاء الغير، ونبذ الحريات الفردية بمسمى الدين والقانون.