لم يعد استمرار الأزمة الخليجية مقبولا، خصوصا بعد أن لمس أطراف النزاع، وشعوبها، الآثار السلبية التي لحقت بحياتها ومصالحها واستقرارها، وانعكاسها على أمنها الوطني، خصوصا في ضوء استفادة الخصوم واستثمارهم في تأجيجها وتكريسها وضمان استمرارها.

لا يستطيع متابع تطورات الأزمة التي انفجرت بين العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة وقطر من جهة ثانية منع نفسه من الاندهاش من مدى الشنآن الذي انزلق إليه أطرافها، على الرغم من المخاطر الكبيرة والجلية التي تنطوي عليها الأزمة، وهم لا شك يدركون حجم هذه المخاطر، وطبيعتها الكيانية والوجودية، إذا ما استمرت الأزمة من دون حل فترة، حتى لو كانت غير طويلة.
فالمواقف والمحددات الرسمية، والحملات الإعلامية، بلغتها الحادة ومحتواها الفج والصادم (البحث في تاريخ الدول والشخصيات العامة ومواقفها وتوجهاتها: الملوك والأسر الحاكمة والوزراء والسفراء، تاريخهم وخلفياتهم وسلوكياتهم)، واستعانتها بالمبخرين والمطبلين من صحافيين وكتاب ومحللين ومعلقين عرب وأجانب، والتعويل عليهم في إحداث انطباع محلي وعربي ودولي لصالح مواقفها، لأن هؤلاء لا تشغلهم مصالح هذه الدول، ولا مصائر شعوبها وتطلعاتها وآمالها.
هذا بالإضافة إلى حملات العلاقات العامة التي أطلقت باستخدام مؤسسات دولية، ذات خبرة في ترويج المواقف وتزويق الروايات وتسويقها، وهي حملاتٌ مكلفةٌ ماليا كذلك، والتحركات الدبلوماسية مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية لكسب تأييد دول ومنظمات إقليمية ودولية لموقفها، من جهة، وعزل الطرف الآخر، من جهة ثانية، هي الأخرى بابٌ لاستنزاف الموارد، لأنها غالبا ما تقترن بعقد صفقات اقتصادية وتجارية وعسكرية، وتقديم قروضٍ وهبات شخصية للرؤساء وعامة للدول، مدخلا لضمان الحصول على التأييد المطلوب واستمراره، علما أن معظم أطراف النزاع تعاني من عجوزات مالية، إن في الموازنة العامة، أو في الميزان
“تستدعي المصلحة الوطنية لأطراف النزاع في الخليج التفكير في تبعات الانغماس فيه، والتعايش مع مترتباته، وإعادة تقويم الفرص والمخاطر، الماثلة والمحتملة التي ينطوي عليها”

التجاري، في ضوء تراجع أسعار النفط والأموال الطائلة التي صرفتها على صراعات عربية (سورية، اليمن، ليبيا، الصومال) وإقليمية (أفغانستان، باكستان، إريتريا، إثيوبيا) دخلت طرفا فيها، كل لاعتباراتٍ وحسابات خاصة به، تطرح (الحملات بأنواعها) أسئلة كثيرة وحادة بشأن جدوى تغذية الأزمة بأسباب الاستمرار والتصاعد، ودفعها إلى تخوم خطيرة، وكأن أطرافها مصممون على الذهاب إلى النهاية، بالانغماس في معركة كسر عظم، برفضها فكرة الجلوس إلى طاولة الحوار، والاتفاق على حل وسط، والمراهنة على الفوز بالضربة القاضية، من دون التفكير بالأثر المدمر لهذه المبارزة الدونكيشوتية على الروابط والعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى فرص إصلاح ذات البيْن بين دولها، بترك الباب مفتوحا للعودة إلى التفاهم والتعاون والعلاقات الأخوية، آيته (التصميم) ردّها على الوساطة الكويتية، وتعاطيها مع هذه الوساطة باعتماد تكتيك إضاعة الوقت، مصحوبا بالتهويل، والدفع بالأزمة نحو عنق زجاجةٍ وحالة استعصاء حادة. وردّهم على مساعي دول صديقة وحليفة (الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، تركيا، والاتحاد الأوروبي، وروسيا) التي أوفدت وزراء خارجيتها، مع دعم واضح للوساطة الكويتية، وسعي جاد لإنجاحها، بإعادتهم إلى دولهم خالي الوفاض، واستثمار قضية الحجّاج القطريين بتسييس الحج، وحفلة “الرّدح” التي شهدتها قاعات جامعة الدول العربية في جلستها أخيرا، وعملها على تحريض قوى قبلية واجتماعية وسياسية لدى الطرف الآخر من أجل إضعاف موقفه وضرب صدقيته.
تشي الصورة الذهنية التي شكلتها ممارسات أطراف هذه المبارزة بسيطرة مزاج عدمي عليها، مزاج لا ينوي الإبقاء على ضوءٍ في آخر النفق، أو الحفاظ على خط رجعة، عبر تعميمه الضغينة وتكريسه القطيعة بين شعوب دولها التي تجمعها وشائج قربى وجوار ومصالح سياسية واقتصادية جسّدها مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى انخراط شخصيات عامة من أبناء هذه الدول، أساتذة جامعة وصحافيون ومثقفون وفنانون ووجهاء قبليون واجتماعيون وعلماء دين، في المعمعة، عملا بقاعدة “الناس على دين ملوكها”، وتأجيجها الأزمة بصبّ الزيت على النار، بنشر الشك والقلق وإشاعة مناخ وبيئة مشحونة بالارتياب وفقدان الثقة تؤجّج المشاعر والعواطف، وتسبب قطيعة نفسية وشعورية بين شعوبها على خلفية بذرها بذور الضغينة والكراهية بينها عبر سرد وقائع عن مواقف وخطط ومؤامرات ودسائس، مرفقة بإيماءات وإيحاءات وظلال قاتمة، وتأويل المواقف والأقوال، والغوص في النوايا والقلوب والتجريح الشخصي وتضخيم الهواجس والمخاوف والمخاطر.
لقد أثار مستوى التراشق والتنابذ بالألقاب الذي انزلقت إليه أطراف في النزاع وشخصياتها العامة استغراب (واستهجان) قطاعات واسعة من الرأي العام المحلي في بلدانها، ناهيك عن العربي والإسلامي والعالمي، في ضوء إحساس هذه القطاعات وإدراكها لانعكاسه السلبي، بل شديد السلبية، على الأوضاع الخاصة والعامة، في لحظة سياسية دقيقة، لما تنطوي عليه من مخاطر كبيرة وكثيرة، على خلفية الحرائق المشتعلة في المحيطين، الإقليمي والدولي، وعوامل التوتر والقلق الداخلي التي تثيرها وتبرزها، تستدعي مزيدا من التعاضد والتماسك والوحدة والعزم، وهو على الضد مما تنبئ به الأزمة الراهنة وتبعاتها بكل تأكيد.
وقد زاد تجاهل مستدعيات المشتركات والضرورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما

“تشي الصورة الذهنية التي شكلتها ممارسات أطراف المبارزة بسيطرة مزاج عدمي عليها، مزاج لا ينوي الإبقاء على ضوءٍ في آخر النفق، أو الحفاظ على خط رجعة”

تفرضه على الممارسات من محدّدات وضوابط، من أجل تحقيق نتائج إيجابية تشيع الأمن والاستقرار والازدهار، خدمة للمصالح المشتركة للأنظمة ولرفاهية شعوبها ورضاها، وسيادة الحدية والمفاصلة والاندفاع نحو القطيعة في العقل السياسي والممارسة السياسية المعتمدة، والتوتر والميل إلى التصعيد، وصم الأذن عن توجس المواطنين وقلقهم، على إدارة النزاع، زاد هواجس المواطنين ومخاوفهم على مستقبل أوطانهم وأولادهم وأحفادهم، إذا ما استمرت هذه العقلية المدمرة في التحكم في السياسات والممارسات، وتكرّست مفاعيلها وتداعياتها.
تستدعي المصلحة الوطنية لأطراف النزاع التفكير في تبعات الانغماس فيه، والتعايش مع مترتباته، وإعادة تقويم الفرص والمخاطر، الماثلة والمحتملة التي ينطوي عليها، واستعادة العقل والحكمة والروية، وتلمس حجم الكارثة التي ينذر بها الذهاب بالنزاع في طريق اللاعودة.
طالت الأزمة، وبلغت ذروة غير مسبوقة، وباتت دولها في مواجهة ساعة الحقيقة، وغدت مطالبة بالإجابة عن أسئلة اللحظة: هل ترى في الأزمة وتداعياتها خيرا يُرجى، أم أن العودة إلى الوفاق أفضل وأجدى، هل تريد مواصلة الانغماس في النزاع والذهاب به إلى النهاية، وهل تضمن تحقيق الأهداف المبتغاة من ذلك، هل موقفها نهائي، وهل يخدم انخراطها في هذا النزاع تصورها الاستراتيجي لمصالحها وأمنها الوطني، في ضوء صراعها مع الخصوم والأعداء القوميين؟
لم يعد استمرار الأزمة الخليجية مقبولا، خصوصا بعد أن لمس أطراف النزاع، وشعوبها، الآثار السلبية التي لحقت بحياتها ومصالحها واستقرارها، وانعكاسها على أمنها الوطني، خصوصا في ضوء استفادة الخصوم واستثمارهم في تأجيجها وتكريسها وضمان استمرارها.