2d7cb4a4-6e57-450e-807c-2a5378b1dca3.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

سعد كيوان

عرّف حزب الله نفسه بأنه “المقاومة الإسلامية في لبنان”، وليس المقاومة الاسلامية اللبنانية. أي أنه مقاومة طائفية وليست وطنية، وفيما بعد أصبحت مذهبية. هويته إسلامية وليست لبنانية، ويمارس المقاومة في لبنان، كما في وسعه أن يمارسها في أي مكان.

في مثل هذه الأيام، قبل 35 عاما، انطلقت المقاومة الوطنية اللبنانية المسلحة ضد الاجتياح الإسرائيلي صيف عام 1982 الذي تحول إلى احتلال لجنوب لبنان ولعاصمته بيروت. ففي ليل 16 سبتمبر/ أيلول من تلك السنة، التقى قطبا اليسار اللبناني، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، في شقة بيروتية، وأصدرا بيانا دعا إلى المقاومة المسلحة لطرد المحتل الإسرائيلي، بدءا من بيروت. فانهالت، في صباح اليوم التالي، العمليات على حواجز القوات الإسرائيلية ومواقعها التي اضطرت خلال أسبوع إلى الانكفاء وإعلان انسحابها من المدينة.
سبق إطلاق المقاومة ضد جيش المحتل بيومين اغتيال بشير الجميل الذي كان قد انتخب قبل ثلاثة أسابيع رئيسا للجمهورية تحت الحراب الإسرائيلية، وقبله بساعات مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا التي وقع ضحيتها مئات الفلسطينيين الأبرياء والعزّل. غير أن التطور الأهم والمفصلي، والذي مهد للحدثين، هو انسحاب مقاتلي منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية من لبنان في أواخر أغسطس/ آب. وكان قرار إطلاق المقاومة المسلحة، تحت اسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)، كان إذا قرارا ذاتيا وشجاعا ومسؤولا، عكس إدراكا عميقا لواقع مرحلةٍ يسودها بلبلة وضياع لدى الطبقة السياسية وفراغ مخيف في السلطة، ويد إسرائيلية
“ليل 16 سبتمبر 1982، التقى الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، وأصدرا بيانا دعا إلى المقاومة المسلحة لطرد المحتل الإسرائيلي”

غليظة، ترخي بثقلها على البلد. كان على من أطلقها أن يتحمّل المسؤولية التاريخية في منع الغازي إرييل شارون من الهيمنة على مقدرات البلد.
أجبرت ضربات المقاومة إسرائيل على الانسحاب من العاصمة، وبعد ثلاث سنوات إلى الانكفاء إلى ما بات يعرف بـ “الشريط الحدودي”. في العام 1985، كان قد تم تحرير معظم الأراضي التي احتلتها إسرائيل في اجتياح 1982. عملت تلك المقاومة بشجاعةٍ وجرأةٍ ومثابرةٍ وصمت بعيدا عن الإعلام، ومن دون ضجيج وتبجح وفيديوهات مصورة وعراضات مسلحة. استفادت من تجربة المقاومة الفلسطينية، وتعلمت من أخطائها. قاتلت أحزابها إلى جنب مقاتلي منظمة التحرير، وصمدا معا في وجه الغزو الإسرائيلي، وغرقا معا في أوحال الحرب الأهلية العبثية.
كان هدف تلك المقاومة فقط تحرير الأرض. كان قرارها لبنانيا مستقلا، ولم تكن تعمل تحت وصاية أحد أو تحقيقا لرغبة أحد. لم يكن هناك من مقاومات غيرها. أوجد الأداء تيارا عريضا داعما متضامنا.
يقول أحد القادة الميدانيين، متذكرا تلك المرحلة أن المقاومة “خلقت تيارا مقاوما عريضا نقيا ثوريا ديمقراطيا تنويريا، يلتقي فيه الكتاب والمثقفون وأصحاب المهن ومتوسطو الحال إلى جانب الطبقة العاملة، بسائر كادحيها نساء ورجالا. تيار لا يبغي شيئا سوى تحرير الوطن برفض أي وصاية، وهو صاحب قرار مستقل ونزيه في آن”. ويكشف أن ميزانية المقاومة يوم انطلاقها “لم تتعد ثلاثة آلاف دولار، وأنها مقاومة لم تشهد محاولة خرقٍ لأجهزتها، ولا لكوادرها من العدو ولا من غيره…”.
ولأنها كانت كذلك، لم يكن ممكنا ترك الساحة لهذه المقاومة. فمع عودة جيش حافظ الأسد إلى لبنان، أطلقت إيران الثورة الإسلامية العنان لتدخلها في لبنان. كان النظام السوري قد سلف الخميني خلال الحرب العراقية- الإيرانية من خلال الانحياز إلى جانبه ضد شقيقه التوأم البعثي صدام حسين. دخلت طهران إلى الساحة اللبنانية، عبر الإعلان عن إنشاء حزب الله الذي عرّف عن نفسه بأنه “المقاومة الإسلامية في لبنان”، وليس المقاومة الاسلامية اللبنانية. أي أنه أولا مقاومة طائفية وليست وطنية، وفيما بعد أصبحت مذهبية. ثم إن هويته إسلامية وليست لبنانية، وهو يمارس المقاومة في لبنان، كما في وسعه أن يمارسها في أي مكان آخر. وها هو فعلا يمارس اليوم “مقاومة” منع الشعوب من تحقيق طموحاتها في الحرية والكرامة، والدفاع عن أنظمة القمع وقوى الاستبداد في سورية وفي العراق وفي اليمن و… إنه “مقاومة جاهزة”، وغبّ الطلب في كل مكان، ولأي كان، ولأي مهمة ينتدبه إليها “الولي الفقيه”.
ساهم حزب الله، بدون أدنى شك، في عملية تحرير ما تبقى من الأرض اللبنانية، وإنما بعد أن تحول إلى رأس حربة لمشروع الوصاية على المقاومة وعلى لبنان. يجب أن تحل “المقاومة الإسلامية” محل “المقاومة الشيوعية”. وكانت البداية عرقلة حركة المقاومة الوطنية (جمول) والحد من قدراتها الميدانية، بمحاولة إخضاعها لوصاية “الحاكم العسكري” ورقابته المسبقة في

“سعى حزب الله، منذ البداية، إلى فرض معادلة المقاومة والسلطة. تعاطى على أساس أن المقاومة والتحرير هما وسيلة لتحقيق المشروع الإيراني الزاحف”

عنجر. كان المطلوب معرفة هدف العملية، والتوقيت وأفراد المجموعة. طبعا، رُفض هذا الأمر من قيادتها ومن المقاومين على الأرض. ثم كانت المرحلة الثانية محاصرتها بعرقلة (ومنع) وصول السلاح والعتاد إليها. أما الثالثة، فهي الكي، أي البدء بتصفية الكوادر وزرع الرعب في صفوف المقاومين والناشطين على طول مساحة الجنوب. ومع ذلك، صمدت وحاولت الاستمرار نحو عشر سنوات. ولم توفر حتى حركة أمل الشيعية، ولكن غير إيرانية الهوى. علما أنها انتدبت لاحقا لمهمة أخرى، هي محاصرة المخيمات الفلسطينية ضمن خطة الوصاية ووضع اليد نفسها، الخمينية- الأسدية على لبنان والقضية الفلسطينية.
سعى حزب الله، منذ البداية، إلى فرض معادلة المقاومة والسلطة. تعاطى على أساس أن المقاومة والتحرير هما وسيلة لتحقيق المشروع الإيراني الزاحف، عبر وضع اليد على السلطة في لبنان. وضع جانبا، من دون أن يتخلى عنه، مشروع “الجمهورية الإسلامية” عندما دخل إلى البرلمان عام 1992. كان من بين نوابه رجل دين معمم رأس كتلة الحزب البرلمانية. ولكنه اضطر أن يتعاطى مع مسيحيين نواب ومسؤولين في السلطة وفي مجلس النواب. ولاحقا أيضا عبر وزراء له في الحكومة منذ عام 2005. إلا أنه ظل حاملا السلاح، ويدعي العمل المقاوم. ولم تعد المقاومة بالنسبة له وسيلة للتحرير، تحولت هدفا بحد ذاته. هي عنوان للسلطة التي يمارسها في المواقع الرسمية في الدولة، وفي مختلف أماكن وجوده ونفوذه، وعلى المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية والحياتية، وطبعا الثقافية. كل شيء يحصل ويتم باسم المقاومة. هو يتكلم باستمرار عن “نهج المقاومة” وعن “ثقافة المقاومة”. باسمها يرسل خيرة الشباب إلى سورية للموت دفاعا عن نظام الأسد. وباسمها يفرض نمط حياة ويحكم. تحولت المقاومة إلى أداة للحكم وللقمع معا.

إعجاب تحميل...