7687964d-840c-4175-aa38-3fe984da8b3e.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عوني بلال

عندما ينحسر الطرح عن النهوض بالمجتمع واجتثاث الفقر وتفكيك الفساد وإدارة عجلات الصناعة، ليصبح في آلية التنكيل الجسدي الأمثل بمن يسرق، وقسمة أملاك الموتى على الأحياء، فنحن بصدد الحديث عن جمعياتٍ تطوعيةٍ ومنتديات نقاشٍ عامة أكثر من حركاتٍ سياسية جادة.

هذا السؤال، المتمترس في العنوان، يستجلب تكفيراً مزدوجاً، لسببين مختلفين تماماً، بل ولربما متعاكسين أيضاً. أولهما أن الله لانهائيّ وغير محدود، فهو بأدبياتنا الدينية يسع كل شيءٍ ولا يسعه شيء، ولا يدركه حدٌّ ولا تقف دونه نهاية. وهكذا يغدو مجرد السؤال عن حدود الله وإمكانية وجودها تشكيكاً مباشراً بجوهر الفكرة الألوهية. لكنَّ الأمر لا ينتهي هنا، وكأن ما سبق ليس إشكالياً بما فيه الكفاية. فللّهِ حدودٌ في الوقت ذاته، تشريعيةٌ وتنظيمية، تدعى صراحةً “حدود الله”، وليس هناك مستوىً من بهلوانية التأويل قادرةٌ على نفيها، فحدودُ الله مذكورةٌ بالاسم في نصوص مقدّسة بغير عد، ويصعب تخيّل كتابٍ فقهي لا تشكل الحدود نصفَ فهارِسِه وشطرَه الأكبر. ومرةً أخرى، يدخل السؤال، المتمترس بالعنوان، دائرةَ الخطر، لأنه يوحي بأن هذه الركيزة الفقهية محلُّ شكٍّ وارتياب.
لا تناقضَ هنا بين خطورة الإيحاء بوجود حدودٍ لله وخطورة الإيحاء بغيابها، لأن الحدود الأولى مقصودة بحرفيتها، بينما الثانية اصطلاحية وتتعلق بالتشريع. وهكذا، فإن من الكفر أن يُقال إن لله حدوداً، فهو لا نهائي، ومن الكفر أن يقال إنه ليس له حدود، لأن ذلك إنكارٌ لشريعته. هنا طبعاً يُطرح السؤال الاستنكاري المُحقّ: أليست هذه حذلقةً وحسب؟ والجواب الأمين نعم. ولا تبدو حتى هذا السطر أكثر من تلاعبٍ على مَعنيين تزاحما، مصادفةً، داخل كلمةٍ واحدة. لكنَّ واقع الأمر أن شيئاً ثقيلاً تشكّل داخل هذه المفردة، وبين هذين المعنيين خلال العقود الماضية؛ شيءٌ لا حذلقة فيه، لأنه طال كثيراً وتوسّع وتعمّق، وأصبح معضلةً جسيمةً للإسلاميين، أغربُ ما فيها أنها من صنعِ أيديهم، وأنها إعاقةٌ أنزلوها عن طيبِ خاطرٍ بأنفسهم.
في الخطاب المعادي للإسلاميين، بل وحتى المعادي للإسلام نفسه كدين، تلعب الحدود دور الخاصرة الرخوة وهدفَ التصويب الأسهل، ويختزل كثيرون مجمل الطرح الإسلامي بهذا الشق، وهو بطبيعة الحال اختزالٌ عمليّ وصديقٌ للبيئة، لأنه لا يستهلك وقوداً ذهنياً كثيراً، ويملك قدرةً فائقةً على إخافة قطاعات واسعة في المجتمع. لا غرابة في اختزال منظومةٍ عريضةٍ من الأفكار في جانبٍ تقنيٍّ منها، لتسهل مهاجمتها، فهذا من حقّ المهاجِم، خصوصاً إن كان هذا كسولاً، لكن الغريب أن يمارس أنصار المنظومةِ نفسِها هذا الاختزال. يدخل
“تحوّلت الحدود من معنىً اصطلاحي إلى معنى حرفي يحاصر أصحابها، وفي خضم الخوف من التفريط بتفاصيل الإسلام، حصل تجويفٌ قاتلٌ في قلبه”

الإسلاميون أرضَ معركةٍ اختارها خصومهم، وهم يشمّرون عن سواعدهم، فقهياً وفكرياً، آملين بكسبها، فيما الواقع أن مجرد دخولهم هذه الساحة كان هزيمتهم المضمرة. لا يوجد مستوىً من الأداء القتالي والألق الفكري يكفي لفوز معركةٍ كان مجرد الانجرار لها هدف من جرّوك صوبها. إن منظومة فكرية تقبل باختزال نفسها في أشكال عقوبة وتشريعات عائلة وقياسات ملابس تقول عن نفسها بهذا الاختزال أكثر بكثير مما تقوله عن نفسها في موقفها التفصيلي من قضايا كهذه. أن يكون لك رأيٌ في قطع يد السارق أو سجنه أو معاقبته على أي نحو آخر، فهذا مهم، لكن الأهم والأخطر بكثير اعتبارك هذا الأمر جوهراً لقضيتك ورسالتك الحضارية. عندما ينحسر الطرح عن النهوض بالمجتمع واجتثاث الفقر وتفكيك الفساد وإدارة عجلات الصناعة، ليصبح في آلية التنكيل الجسدي الأمثل بمن يسرق، وقسمة أملاك الموتى على الأحياء، فنحن بصدد الحديث عن جمعياتٍ تطوعيةٍ ومنتديات نقاشٍ عامة أكثر من حركاتٍ سياسية جادة.
لم تعد لعبة المسألة “الحدودية” حبيسة ما هو معروفٍ وحسب، بل وفاضت عنها إلى ما هو ممجوجٌ أيضاً. هناك مربع أول لا تتم العودة إليه فحسب كلما طُرح هذا الموضوع، إذ ليس في الموضوع إلا مربع واحد، هو مربعه الأول والأخير؛ السجال الدائري الذي لا ينتهي حول حرفية النص وروح النص. منطوق النص، وظروف نشأة النص. وكل حديث عن منهجيةٍ لحسم هذه الثنائية يدحضها استعار الخلاف الدائم داخل البيت الإسلامي الواحد عليها، وخارجه أيضاً. ووراء الفقهية البادية للنقاش، والتجادل بهذه الآية، ثم الردّ بذلك الحديث والتعقيب بتلك القاعدة الشرعية، فإن الخلاف الفعلي يجري على مستوىً مختلفٍ تماماً؛ لا يلعب الفقه فيه إلا دوراً تغليفياً ومونتاجياً. إن ضغط التحولات القيمية في العالم، وظروف المكان والتركيبة الاجتماعية، هي موطن الصراع الفعلي، وما أن تتضافر هذه العناصر معاً في مسألةٍ ما، حتى يطفو نصٌّ مقدّسٌ يُحَلُّ به الإشكال. لا شيء يكشف هذا الوجه المحجوب للسجالات الفقهية أكثر من التعاطي المزدوج لدى إسلاميين كثيرين حيال التشريعات الاجتماعية القائمة في تركيا، وتلك المقترحة الآن في تونس، حيث تبدو رحابة الصدر الفقهية أكبر بكثير في الحالة الأولى من الثانية، لأن المسألة، مرة أخرى، لا تتعلق تماماً بالفقه والنصوص، حتى وإن بدت في الظاهر كذلك.
هناك قطاعات إسلامية أدركت هذه الإشكالية، وتحوّلت إلى قضاياً أكثر جوهرية وإلحاحاً. ليس المطلوب التسليم بكل الأسس الاجتماعية والحدودية. بل ليس مطلوباً التسليم بأيٍّ منها، وإنما التوقف عن شحن قضايا من هذا النوع بكل هذه القدسية، وتحويل الجهد الفكري والتنظيري إلى تأكيد القيم الضامنة لحرية الناس في ممارستها الدينية. ما يعيق تحرّر الإسلاميين من هذه الزنزانة الذهنية، في جزءٍ منه، هو خوفٌ من فقدان الجمهور المتدين، وفوبيا المزايدات بين الإسلاميين أنفسهم في مدى التعلق بالنص المقدس والحفاظ على الإسلام وصون أصوله من التحريف والتجويف. هكذا، تحوّلت الحدود من معنىً اصطلاحي إلى معنى حرفي يحاصر أصحابها، وفي خضم الخوف من التفريط بتفاصيل الإسلام، حصل تجويفٌ قاتلٌ في قلبه. لعل الشيطان لا يكمن في التفاصيلِ أصلاً، إلا لأنه يريد شد الناسِ إلى هناك، للتفاصيل، وإشغالهم عن جوهر الأشياء، وجسامة القيم.

إعجاب تحميل...