“العقد الوطني” الذي كان مطلوبا في العراق وما يزال تحول إلى مجرد حكايةٍ تروى في المناسبات، وعند الضرورة. وهكذا يريد أشقاؤنا الأكراد أن يجرّبوا هذه المرة “آخر الدواء” الذي سيشعل النار في أكثر من مكان، وعلى أكثر من صعيد.

سألت ناشطا كرديا يقيم في المهجر: كيف ترى المشهد العراقي اليوم؟ أجابني: ينذر المشهد بموجة أوجاع ومتاعب قادمة، ربما حروب أيضا.. من يدري. تابع: كل الأطراف التي حكمت العراق، في نصف القرن الأخير، أساءت تقدير ما يمكن أن يحدث على صعيد العلاقة بين مكوّنات العراق، وخصوصا على صعيد العلاقة مع الأكراد، وحتى ما تحقق من اتفاقات معهم أو مكاسب لهم لم يتخط الورق الذي كتب عليه. إذ سرعان ما كانت تعقبه خلافات وأوجاع.. وحروب أيضا.
صمت وهو يحدّق عبر النافذة القريبة في الأفق البعيد، والتفت إلي بعد لأي ليتابع: ألمح الجغرافية العراقية وهي تهتز، وليس عندي ما أضيفه سوى بيتين من الشعر لشاعركم العربي:
أرى خلل الرماد وميض نار/ ويوشك أن يكون لها ضرام. فإن النار بالعودين تذكى/ وإن الحرب أولها كلام.
عدت أسأله: ما الحل إذن؟ أجاب: أن تتناسى كل الأطراف ما جرى، وتجمد كل الخلافات، وأن تفتح صفحةً جديدة، وتحدّد مدة زمنية، سنة واحدة مثلا، لصياغة “عقد وطني”، يعمل على تصويب العملية السياسية الماثلة، ويمهد لقيام دولة المواطنة الحقّة التي لا يشعر فيها الأكراد بأنهم مغبونون، كما لا يشعر أي مكوّن آخر. وبغير ذلك، سوف يزداد اللعب بالنار، وستتواصل هزة الجغرافية العراقية لغاية ما لا تحمد عقباه.
تداعت في مخيلتي، وأنا أنصت باهتمام، وطأة استفتاء كردستان الذي يُراد منه، كما يبدو، زرع عراقٍ مختلف يكرس انفصال شماله بغطاء قانوني، تحت راية دولة مستقلة، بعد أن كان تكرّس عمليا منذ أكثر من عقدين، عندما شرعن توافقٌ أميركي بريطاني فرنسي إقامة منطقة “حظر طيران” فوق أجوائه، بحجة حماية المدنيين، امتدت المنطقة لاحقا لتشمل جنوب البلاد أيضا. وقد تراجع الفرنسيون عنها، وأعلنوا انسحابهم منها، بعد أن اكتشفوا قبل غيرهم أن هناك أهدافا شريرة وراء إقامة هذه المنطقة، وأن “الاعتبارات الإنسانية” التي تحدثوا عنها لم تكن سوى غطاء لما يراد تحقيقه مستقبلا. خطة تقسيم العراق كانت على الطاولة، ووضع الخطوط
“كان يراد من استفتاء كردستان، كما يبدو، زرع عراقٍ مختلف يكرس انفصال شماله بغطاء قانوني، تحت راية دولة مستقلة”

الوهمية على الخريطة كان نذيرا بتفكيك الجسد العراقي، عندما يحين الوقت المناسب، و”حظر الطيران” تحول بمرور الزمن إلى “مسمار جحا” الذي دقّ في الجسد العراقي في أجواء معتمة، جعلت المعارضين العراقيين لصدام حسين يتجاهلون مدياتها الأبعد، وبعض من هذه المديات يعيشونها هم اليوم بعدما قدّر لهم، في غفلةٍ، أن يشكلوا البديل لحكمه.
كان صدام حسين مصيبا، عندما رأى في “حظر الطيران” خطوةً مشبوهةً هدفها تقسيم العراق، لكنه لم يكن يملك الرد العملي عليها، لأنه كان قد أحرق مراكبه مع أشقائه العرب، وحتى مع المجتمع الدولي، إثر مغامرته في الكويت، وما تبعها من عقوباتٍ دوليةٍ، فرضت عليه حصارا وعزلةً لم يستطع الفكاك منها.
في حينها، كان الحديث يدور همسا لدى مثقفين وناشطين عديدين في الداخل، استشعروا خطورة الحال، ووجدوا أنه لا بد من مبادرةٍ ما تعمل على إيقاف التدهور الذي حصل، وتعين على تطوير بنية النظام باتجاه فتح أفقٍ لهامش ديمقراطي، ولو كان محدودا، لكن الأمر لم يتعد حدود الهمس الذي توقف بعد حين. ما يعنينا هنا أن من بين ما جرى الحديث عنه، في تلك الحوارات، موضوع العلاقة مع الأكراد وتداعيات فرض منطقة الحظر، وأن واحدا من الذين كانوا يتحاورون آنذاك هو الناشط الكردي نفسه الذي سألناه اليوم عن رؤيته للمشهد الماثل. وفي تلك الحوارات، كان رأى أن الحل في صياغة “عقد وطني”، يضمن إقامة نظام ديمقراطي تعدّدي يعتمد المواطنة غاية ووسيلة، ويجنب البلاد مستقبلا صراعاتٍ محتملةً وتداعيات انفصالٍ قد يرى فيه الأكراد “آخر الدواء”.
وما زال صديقنا الناشط الكردي عند رأيه الذي أطلقه قبل أكثر من عقدين، وحيث لم يعد اليوم “مسمار جحا” مغروسا وحده في الجسد العراقي، فقد تعدّدت المسامير، وظهر أكثر من “جحا” واحد، وكبرت مساحة الخرق، واتسعت الخلافات والاختلافات، و”العقد الوطني” الذي كان مطلوبا وما يزال تحول إلى مجرد حكايةٍ تروى في المناسبات، وعند الضرورة، وهكذا يريد أشقاؤنا الأكراد أن يجرّبوا هذه المرة “آخر الدواء” الذي لا نشك في أنه سيشعل النار في أكثر من مكان، وعلى أكثر من صعيد. هنا يصح لنا أن نطلب من عقلاء القوم أن ينتبهوا.