إذا كنت تقود سيارتك عازمًا الوصول إلى جهة معينة، ثم وجدت أن السيارة التي أمامك تسير ببطء شديد، ما يُبطئ من تقدمك أو يوقفك بالكلِّية، فإن أمامك ثلاثة حلول:

الأول: أن تظل خلف السيارة البطيئة عساها تزيد من سرعتها في وقت ما، أو على أسوأ الفروض فإنك ستصل غايتك بعد وقت طويل.

الثاني: أن تتحدث مع قائد السيارة البطيئة وتحاول إقناعه بخطئه، وأن من الأفضل له ولك أن يزيد من سرعته؛ عساه يفعل في وقت ما، حتى وإن أبدى تجاهلا لكلامك في البداية أو اعتراضًا عليه.

الثالث: أن تتجاوز تلك السيارة تمامًا ولا تعرها انتباهًا ولا اهتمامًا، وتظل محافظًا على سرعتك مركزًا على وجهتك.

هذا ما واجهه الرسول الكريم في بداية دعوته. كان هدف الرسول وغايته الإسلام، وكانت غاية الإسلام – وما زالت – هي السيادة المطلقة على البشرية كلها. كانت قاطرة الإسلام تسير في طريقها صوب وجهتها، ولكن كانت قاطرة قريش أمامها تبطئ من تقدمها أحيانا، وتوقفها أحيانا أخرى، وتحاول جاهدة أن تردها إلى الخلف.

كان الرسول يحب قريشًا، أهله وعشيرته، وكان يتمنى أن يدخلهم في الإسلام وينتشلهم من براثن الكفر لينجيهم من غضب الله وعذاب النار. كان يحب هذا ويرجوه ويسعى إليه، ولكن كانت مهمته الأساسية وتكليف الله له بالرسالة هي نشر الإسلام وسيادته على البشرية كلها وليس على قريش فقط، وهنا كان القرار بالهجرة.

وسواءً كان قرار الهجرة اجتهادًا من النبي أو أمرًا من الله فإن الدلالة واحدة، كان القرار انتصارًا وانحيازًا كاملا للخيار الثالث: وهو خيار تجاوز العقبة بالكلية، وعدم الالتفات إليها أو الاهتمام بها، والمحافظة على السرعة والوجهة بدون انحراف.

كانت الدعوة لقريش خيارًا وحيدًا منطقيًا متاحًا أمام الرسول منذ يومه الأول؛ وكان الخيار متوافقًا مع الرغبة الإنسانية للنبي بأن يكون أهله وقومه هم السابقون إلى الله.

وعلى الرغم من النجاحات التى حققها هذا المسار في بداياته، وعلى الرغم من أعداد ونوعية الرجال الذين دخلوا في الإسلام نتيجة هذا المسار، والذين صاروا بالفعل صناديد الإسلام وأعمدة الدولة الإسلامية لعشرات السنين التالية؛ على الرغم من كل هذا لم يتماه النبي مع هذا المسار، لم يرتبط معه عاطفيًا ووجدانيًا، لم يجعله مسارًا استراتيجيًا مطلقًا، لم ينزله في نفسه منزلة الثابت المقدس، لم يحوله من مسار إلى غاية يسعى إليها ويعمل على تمامها، لم يلهه المسار عن الغاية الأساسية والمشروع الحقيقي الذي يحمله والمكلف بالسعي عليه.

وقت أن توقف المسار عن الإنتاج، أو صار ما ينتجه لا يلبي طموحات وتطلعات المشروع الرئيسي – الإسلام – كان القرار الحاسم بالاستبدال!

إذا مانعت قريش الإسلام وعادته وصارت عقبة في طريقه، فلنوقف العمل على قريش!، قريش أرادت الجحيم فليكن لها ما أرادت!؛ أما الإسلام وأهله فليسلكا دربًا آخر في أرض أخرى بين أناس أُخَرْ؛ فكانت الهجرة وكانت الانطلاقة الحقيقية.

بنى المسلمون لإسلامهم دولة؛ ضعيفة في بدايتها، غير مكتملة الاركان، غير محصنة، تحوطها الأخطار، وممتلئة بالمهاجرين – لاجئين بلا أموالٍ ولا منازل –؛ إلا أنها كانت دولة!

كانت اللحظة الأولى في عمر هذه الدولة تفوق بأضعاف مضاعفة اللحظة الأخيرة في حقبة مكة. لم يكن هناك ثمة مقارنة على الإطلاق، كانت القواعد غير القواعد، القواعد في مكة كانت التخفي والسرية وتجنب القتل وتحمل الأذى والصلاة فرادى والاحتكام لقانون قريش وعرفها؛ والقواعد في المدينة كانت منذ لحظتها الأولى قواعد التمكين، وكان الاحتكام لمحمد وشريعته هو الأساس. كانت القواعد الأولى تكفي لبدء دعوة، والقواعد الثانية لا مناص عنها لتسود تلك الدعوة وتنتصر!

لم تكن الهجرة إذًا – كما علَّمونا – فرارًا، ولا اضطرارًا، ولا محاولة مهزوم؛ وإنما كانت خطوة واثقة للأمام لرجال عرفوا غايتهم، فمضوا إليها، ولم يلتفتوا عنها، والتمسوا لها كل سبيل.