f93d045b-46db-4c0b-af70-df9bb254e930.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

باسل طلوزي

.. علق البوق بفم أولئك، وأصبحت المقطوعة ناشزةً، وهم يكيلون المدح لنظام الأسد، ويزعمون أن ثورة الربيع السورية “مؤامرة” خارجية. أما المصير الذي ينتظر هؤلاء النافخين، فيبدو أنه لن يختلف عن نظيرهم السابق، والذي قيل إنه ظل ينفخ حتى “فقع”.

يُحكى أن نافخ بوق وقع في ورطةٍ ذات يوم، حين كان يشارك في معزوفة، فعلق البوق في فمه. وعلى الرغم من محاولاته المكتومة لإخراج البوق، أخفق، ولم يجد حلاً لتفادي الإحراج غير أن يواصل النفخ، حتى خارج إطار دوره المرتب في المعزوفة، ما أحالها إلى معزوفةٍ نشاز، لا يُسمع فيها غير صوت البوق، أما نهاية النافخ فظلت سرًّا لا يعرفه أحد حتى اليوم.
من جهتي، مررتُ بهذه التجربة سامعا للبوق، وليس نافخا، وأذكر أن الحدث بدأ منذ أعوام، حين بدأت ثورة الربيع المصرية ضد الرئيس المخلوع (العائد) حسني مبارك، فقد قادني سوء طالعي إلى متابعة تحركات الثورة، منذ بدايتها، عبر بوق إذاعة القدس، التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/ القيادة العامة، في دمشق.
كادت “القدس”، أن تكون ناطقًا بلسان الثورة، وهي تبث أغاني شادية “أصله معداش على مصر”، وهتافات شباب الثورة “ارحل.. ارحل”، ولم تعد تبث غير أخبار الثورة وتحليلاتٍ عنها، وتستضيف خبراء ومختصين لإبداء آرائهم، وتوقعاتهم لمسارها واحتمالاتها. أما المذيعون الذين ارتدوا الأزياء العسكرية، فتحولوا إلى ثوار، يملأون الأثير حماسةً، ويبشّرون بقرب سقوط نظام كامب ديفيد، كما كانوا يسمونه آنذاك، وحين ختمت الثورة بتنحّي مبارك، بلغ البوق منتهى دويّه، وسادت الإذاعة احتفالات تفوق احتفالات ميدان التحرير في القاهرة، ولم يكن على لسانها غير عبارة “سقط نظام كامب ديفيد”.
أخذتني الحماسة، أيضًا، بهذا “البوق” الذي يدعى إذاعة القدس، وشعرت بأنه سيكون بوقًا لثورات الربيع العربي كلها، وناطقًا باسم حراكاتها وتحركاتها، إلى أن امتدت نار الربيع العربي إلى الثوب السوري، فتبدّل حال بوق “القدس” إلى حال آخر، لينقلب وصف الربيع إلى خريف، ويتهم شبابه بأنهم “إرهابيون.. متآمرون.. قتلة.. عملاء” إلى آخر تلك الاتهامات التي لم يعد يتسع لها البوق نفسه. والأنكى أن الإجهاز على الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، واغتصاب عبد الفتاح السيسي السلطة قوبل بترحاب “البوق”، على الرغم من أن المذكور أشد تمسكًا باتفاقيات كامب ديفيد من مبارك، وأكثر ولاء لإسرائيل من سلفه، وكأني بالبوق أوشك أن يردّد هذه المرة، بحماسة لا تقل عن سابقتها: “يحيا كامب ديفيد.. يحيا كامب ديفيد”.
علق البوق إذن، في فم إذاعة القدس ومذيعيها ومحرّري نشراتها؛ لأن النوتة الموسيقية انقلبت، بغتة، بلمح البصر أمام أعينهم، ولم يكن في وسعهم غير أن يواصلوا النفخ، ولو بنغمة تحمل كل نشاز العالم.
والحال أن البوق كان قد علق من زمان، أعني منذ اختارت الجبهة الشعبية/ القيادة العامة، وتنظيمات يسارية فلسطينية أخرى، أن تنحاز للنظام السوري قبل عقود، ظنًّا منها أنه يمثل “المقاومة” و”الممانعة” خير تمثيل، وأنه المرشح لتحرير فلسطين، وارتأت أن تغض الطرف، أولًا بأول، عن اكتشافاتها اللاحقة في هذا النظام المفرغ من كل تلك المفردات الثورية، ربما لرهان قادم عليه، أو لأنها، وهذا هو الأقرب للصواب، لم تكن قادرةً على شق عصا الطاعة بوجه هذا النظام الذي تعرف جيدًا ما الذي يمكن أن يفعله بها إن تمرّدت على شروطه وحساباته، فلم يكن من مخرجٍ أمامها غير مواصلة “النفخ” في بوق التقديس والثناء عليه، على الرغم مما كان يحدث أمام عينها من فظائع ومجازر بحق شعب طالب بربيعه، وكرامته، بل أيضًا بحق الفلسطينيين المهجّرين إلى سورية في مخيم اليرموك وغيره، ممن سوّيت بيوتهم الصفيح بالأرض، وطاردهم الشبيحة، وأبيد منهم من أبيد، وهرب من هرب.
علق البوق بفم أولئك، وأصبحت المقطوعة ناشزةً وممجوجة، وهم يكيلون المدح لنظام الأسد، ويزعمون أن ثورة الربيع السورية “مؤامرة” خارجية. أما المصير الذي ينتظر مثل هؤلاء النافخين، فيبدو أنه لن يختلف عن نظيرهم السابق، والذي قيل إنه ظل ينفخ حتى “فقع”.

إعجاب تحميل...