في صدر تاريخنا وعلى مدار قرون متعاقبة قدم على المسلمين أناس يحاولون النيل من الهوية الإسلامية تارة بطعن في كتبها الصحاح وتارة بنقض الدين عروة عروة، يلبسون ملابس عربيةً ويتحدثون بعقول لا عربية ولا غربية، بل هي مزيج يشبه المسخ، وكانت أحلامهم تتحطم دومًا علي منهجية التراث الإسلامي ومن ثم غير هؤلاء إستراتيجيتهم؛ فقرروا النيل من الإسلام بخلع المسملين عامةً، والشباب خاصةً، وسلخهم من هوياتهم وعقيدتهم، ولاشك أن تراجع المسلمين وعدم إحساسهم بمكانتهم من المجتمع الإنساني والمسئولية الملقاة على عواتقهم جعلهم يتنطعون على قارعة الأبواق المنحرفة التي تأخذ بهم لبركة من المسكرات، مياهها ضحلة لا يزدد فيها الضال، إلا ضلالًا، ومريض القلب، إلا مرضًا.

وهذه الأبواق في الواقع ليست بالجديدة على عالمنا، بل هي قديمة، ولعل أول هذه الأبواق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة ابن سلول في حادثة الإفك وتطورت تلك الأبواق، إلى أن ظهر عصر الاستعمار الفكري قبل العسكري للشعوب المسلمة، فأتى نابيلون يجر في أذيال خيوله أفكار تقطع أوصال الروابط الإنسانية بين الشخص العربي وشخصيته الإسلامية، ولم يكن لتلك الأبواق ما تريد إلا من خلال صرف الناس إلى ما لا ينفع، وإلهائهم عن سبل المعرفة من خلال وسائل عدة حركت الرأي العام المسلم إلى أزمات وهمية، ثم جعلوا المسلم يفرح لأشياء هي بالأساس سبب نكبته وتأخره وتبنى مراهقي العالم الإسلامي هذه الأفكار بعد أن تم استحمارهم، يقول الأستاذ على شريعتي في كتابه النباهة والاستحمار.

الاستحمار نوعان: استحمار مباشر واستحمار غير مباشر، الاستحمار المباشر عبارة عن تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو سوق الأذهان إلى الضلال والانحراف. أما غير المباشر فهو عبارة عن إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئية البسيطة اللافورية لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة الفورية

انتهى كلام الأستاذ شريعتي في تقسيم معني الاستحمار ودعنا نتحدث عن بعض ما جاء في تلك المقتطفة.

أما عن سوق الأذهان الي الجهل فمن خلال إقناعهم بطريقة لا منهجية، لكنها تلقى قبولًا في أوساط البعض لموافقتها هواهم، فيتم تلقينهم قول أن الدين سبب تأخرهم، وأن الدين يمنعهم أن يكون لهم ملاهي كديزني لاند أو جامعة كالسربون أو حدائق كسينترال بارك، ثم يعطي له مثال عن التحول الغربي، خصوصًا الثورة الفرنسية وإنهاء الحكم البابوي الذي أعقبته الثورة الصناعية الكبرى. نعم إن النهضة الصناعية من أهم أسبابها هو التخلص من دولة البابا في أوروبا، لكن الإسلام لم يكن أبدًا سبب نكبة المسلمين.

كيف يكون الدين الذي نقل العرب من مجرد قبائل متشرذمة في قفار الجزيرة العربية إلى دولة منظمة يصل اتساعها لأكثر من نصف العالم في أقل من مائة عام فقط، ثم أعقبت المائة الأولى مائةً ثانية وثالثة ورابعة ازدهرت فيها العلوم وسطعت فيها شمس الإنسانية والعدل حتى أنار المسلمون العالم من أقصاه إلى أقصاه كيف يكون الإسلام الذي أقام دولة بنظام سياسي واقتصادي بهذه العبقرية سببًا في تأخر المسلمين على حد وصفهم، نعم في أوروبا كان رجال الدين سبب تخلفها، لكن رجال الدين في الإسلام كانوا سبب من أسباب النهضة.

فأحمد بن حنبل الذي رفض أموال الخلفاء وتحمل سياطهم ليس كستيفان السادس الذي لهث وراء الإمارة وارتكب من الشنائع ما يعجز الكلام عن وصفه، وليس الشافعي، مثل سيكستوس الخامس، وليس مالك بن أنس كيوحنا الثاني عشر الذي ملأ أوروبا فسادًا وفجورًا إن رجال الدين في أوروبا قد اعتقدوا في أنفسهم العصمة وراحوا يبيعون صكوك الغفران فهذا يدخل الجنة، وهذا يدخل النار وصار جمع الأموال وممارسة الرذائل بغض النظر عن مصير ذلك المواطن الأوروبي الفقير الذي فتكت به الأمراض والأوبئة.

وفي تلك الفترة كانت التجربة الإسلامية في الضفة الأخرى من العالم تعيش أزهى مراحل تقدمها فهنا مكتبة بغداد، وهنا جامعات الأندلس ومستشفيات الرازي ومختبر ابن حيان وأفلاك البتاني ومدارس نظام الملك وحدائق غرناطة وجنان الشام ومجالس العلم والمكتبات والمراصد وغيرها من دلائل النهضة والرقي إن التجربة الإسلامية في العالم المسلم كانت سبب تقدمه بلا أدنى شك وبخلع المسلم لتلك الهوية بات كالمسخ تتلقاه الأيادي ويتم تشكيله تارة بأفكار غربية منحرفة وتارة بأفكار شرقية مدمرة.

والقارئ في كل كتب التاريخ يعي جيدًا أن التقدم الحضاري لأي مجتمع لابد وأن يصحبه تماسك بالهوية، فالمجتمع الياباني الذي سلك مسلك التقدم التكنولوجي الفريد لم يتخل عن هويته، فظل يمجد الزعيم لديه، وظلت المرأة اليابانية ترتدي الزي الياباني، وتتعامل بهويتها اليابانية، ولعل ذلك كان من أسباب التقدم السريع؛ لأن الياباني حدد مسعاه، فوعى ماذا يأخذ من التجارب، وماذا يترك، إن مشكلة الشاب العربي ليست في تأخره التكنولوجي، إنما مشكلته تكمن في تأخره الإنساني، وعدم إحساسه بما يجب فعله يقول الشيخ الغزالي رحمه الله (هناك معادلة يجب أن يحفظها كل عربي عن ظهر قلب: عرب – إسلام = صفر.

إن المشوار طويل وإحياء ما تم تغييبه لن يكون في يوم وليلة، ولكنه يحتاج لطول مجاهدة ومثابرة طويلة بمنهجية واضحة المعالم كما فعل نظام الملك السلجوقي حينما شيد مدارسه النظامية؛ فتعلم فيها الناس شئون دينهم ودنياهم، وظهر من هذه المدارس أجيالًا دحرت الصليبيين، وردت الكيد التتري عن ديار الإسلام .

إننا بحاجة لشباب يتحمل المسئولية، ثم يبدأون في نشر الوعي الصحيح والتعاليم الإسلامية الحنيفة، والرد على كل مغرض وكشف الزيف عن كل مغيب، من قال لك إنك هامشي؟ من قال إن الواقع لا يمكن تغييره؟ من قال لك إن هذا الزمان أصعب الأزمنة؟ فهذا عبد الرحمن الداخل ابن العشرين عامًا يعبر الصحراء شريدًا طريدًا تطلب السيوف دمه، ثم يعبر البحر، ويبني حضارةً يقف العالم إجلالًا وتقديرًا لها لما قدمته للإنسانية من علوم ومعارف، التغيير يبدأ بقرارك واستشعارك في نفسك أنك لست أقل من أسلافك، ولا تجعل قصص العظماء تبعث الرهبة في قلبك؛ فتقول كيف لي أن أصنع مثل صنيعهم، بل قل إنك بالله تصنع أفضل من صنيعهم، وأعلم أن الحق سينتصر، ولكن اجعل لنفسك من انتصاره موقعًا.

ولابد لهذا الليل أن ينجلي، ولابد أن تشرق شمس العدالة؛ لأن الله ارتضى للعالمين هذا الدين وجل سبحانه أن يترك أهله في حيرتهم تائهين.