«الهدف 13 – اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره»

هكذا تسّطر الأمم المتحدة واحدة من أهم فقرات «أهداف التنمية المستدامة» والتي تشتمل على سبعة عشر هدفًا تضمنها المنظمة الأممية في خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وتعمل عليها من خلال فعالياتها المختلفة لتحقيق عالم أفضل لمختلف البشر على وجه الأرض. قضية المناخ لم تعد رفاهية اجتماعات ومؤتمرات شبه دورية وإنما أصبحت قضية حاسمة في مستقبل الحياة والمجتمعات البشرية الحضرية على الأرض.

ديسمبر-2015 كانت لحظة حاسمة في التصدي للتغيرات المناخية حيث اجتمع الفرقاء والحلفاء في العالم على قضية واحدة تضمنها اتفاق باريس للمناخ ويهدف الاتفاق إلى احتواء الاحترار العالمي لأقل من 2 درجات ويسعى لحده في 1.5 درجة. وضع حد أدنى بقيمة 100 مليار دولار أمريكي مساعدات مناخية الدول النامية سنويًا وسيتم إعادة النظر في هذا المبلغ في 2025 على أقصى تقدير. وهنا تظهر الضرورة الملحة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة وواعية للتصدي لتغير المناخ العالمي ولا يتحقق هذا إلا من خلال رؤية جدّية واستشراف التغيرات المستقبلية وموارد تضمن تحقيق هذه الرؤية. فهناك التزام عالمي بالعمل على توفير تمويل للحد من التغيرات المناخية والعمل على خلق بيئات صحية أفضل لمختلف سكان العالم.

صندوق المناخ الأخضر

يأتي دور صندوق المناخ الأخضر الذي أنشئ لمساعدة الدول النامية على تقليص آثار تغيّر المناخ والتكيّف معه والذي تأسس عام 2012، وهو صندوق مستقل يمول مشاريع وبرامج تقترحها الدول النامية ويضمن الصندوق إدارتها بشفافية كاملة. تمثل رسملة الصندوق الأخضر للمناخ بقيمة 9.3 مليار دولار حصيلة عملية طويلة استُهلت في مؤتمري الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ في كوبنهاغن وكانكون. ويمثل رسملة هذا الصندوق مشاركات من الدول المتقدمة ودول أخرى بمبالغ مختلفة وصل عدد الدول المتعهدة بضخ مبالغ للصندوق إلى اثنين وثلاثين بلدًا.

وهنا يجدر الإشارة إلى حصول مصر على تمويل من صندوق المناخ الأخضر بقيمة 154 مليون دولار لدعم مشروعات الطاقة المتجددة في مصر. ويمثل هذا الدعم من الصندوق عاملًا هامًا وحافظًا لدول العالم النامي للتحول نحو استخدام مصادر طاقة بديلة ومستدامة تساعد في الحد من التغير العالمي للمناخ. ولا يمثل هذا التمويل إلا حجرًا واحدًا في بناء صرح مكافحة التغير المناخي في العالم.

تمثل المشاريع الواعدة التي يمولها الصندوق في قارة أفريقيا وأمريكا الجنوبية حجر الأساس للعمل على التنمية القائمة على مشاريع مكافحة التغير المناخي كتلك التي تتعلق بالطاقة الشمسية ويمولها الصندوق في كل من أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وأخرى في شرق أفريقيا ومشاريع أخرى تتعلق بتوفير مصادر مياه صالحة في كل من جمهورية المالديف وفيجي.

المشروعات الصغيرة والوطنية في خدمة قضية المناخ

لا تمثل مقاومة التغيرات المناخية عبئًا على الاقتصادات العالمية والوطنية للدول النامية، وإنما هناك فرص لا تعد في الاستثمار في التنمية المستدامة التي تصب في النهاية في مكافحة ومعالجة الاحترار العالمي، وتمثل المنطقة العربية وشمال أفريقيا وجهة خصبة للاستثمار المحلي والدولي على حد سواء في مشاريع الطاقة المتجددة التي توفر عبء الحصول على طاقة كهربائية مستدامة بسعر رخيص. وتمثل الدول العربية حصة قوية في الأسواق الناشئة المعتمدة على مشاريع الطاقة المتجددة، حيث خطت الإمارات العربية المتحدة خطوات عديدة في إنشاء مجتمعات بيئية مستدامة منها مدينة مصدر، وهو أكبر برنامج يهدف إلى تطوير طاقة نظيفة في العالم باستثمارات زادت على 22 مليار دولار.

ولا تقتصر الإشارة هنا على الاستثمارات التي تقدر بمئات الملايين، وإنما هناك فرص غير محدودة للشباب والمشاريع الصغيرة للعمل على خلق حلول للتحديات المجتمعية المحلية، وهنا نشير إلى تنامي عدد المشاريع وحاضنات الأعمال التي توفر تمويلًا مبدئيًا لكثير من الشباب ورواد الأعمال العرب عامة والمصريين خاصة، وكانت أحد أنجح التجارب في المشاريع الناشئة في مصر العاملة في مجال الطاقة الشمسية، وهي شركة (كرم سولار Karm Solar) والتي صرح مؤسسها أحمد زهران في أحد المقابلات الصحفية معه «لم نفكر في الاستثمار في الطاقة الشمسية على أنه حل لمشكلة المناخ فقط ولكن على أنه فرصة استثمارية واعدة …».

تتزايد وتيرة إقبال الشباب في المنطقة العربية على العمل بإنشاء شركات ناشئة تقوم على إيجاد حلول حقيقة وتقنية للمشاكل المجتمعية المختلفة. ونخصص أمثلة لتلك المشاريع المعتمدة على الحلول المساهمة في مقاومة التغير المناخي واستخدام الموارد المحلية منها مشروع «نباتا Napata» والذي يستهدف استخدام مخلفات النخيل في الصناعات اليدوية ومنها بالمغرب مشروع «Graneco» والذي يعمل على خلق بيئة زراعية أفضل للحصول على جودة غذائية عالية. وعلى رأس المشاريع الاستثمارية في مجال التنمية المجتمعية والمناخية في مصر يأتي مشروع «سيكم Sekem» وهو مشروع قائم منذ 40 عامًا يعمل على خلق بيئة مستدامة تعمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة واستخدام الموارد الطبيعية. هذه النماذج والمشاريع ليست الوحيدة، وإنما هي نماذج وأدلة على أن التمويل المناخي يتحقق بطرق عديدة حيث لا يشكل واجب فقط على الدول المتقدمة وإنما فرص لتحقيق استثمار حقيقي يؤتي ثماره على المجتمعات المحلية.

أوجه التمويل المبتكرة من أجل المناخ

لا يقتصر التمويل المناخي فقط على الاستثمار المباشر في المشاريع والبرامج التي تصب مباشرة في مقاومة التغيرات المناخية ولكن تتجه الأمم المتحدة والدول المانحة في الصندوق الأخضر حاليا في العمل على تمويل مشاريع خاصة في مجال التعليم والصحة ولكن تصب في الأساس في قضية المناخ حيث تؤدى إلى رفع الوعي بقضايا المناخ مما يساعد على توفير تمويل مستقبلي يتم استثماره بطريقة مباشرة في مكافحة التغير المناخي العالمي.

في النهاية نود الأشارة إلى أن مستقبل المناخ لا يتربط فقط بالدول التي تتأثر مباشرة بالتغيرات المناخية كالفياضات والاعاصير والتصحر الدائم والموسمي وإنما يرتبط المناخ بمستقبلنا نحن البشر  ومستقبل الحياة على الأرض.