في الصغر عندما كنت أذهب إلى مجالس القات لأخذ بعض الدروس في الإملاء والخط والنحو والرياضيات وغيرها من المواد الدراسية كانت تلك المجالس تزخر بقراءة البخاري ومسلم، وفي بعض المجالس كانوا يقرؤون القرآن. لقد كانت مجالس تغشاها الروحانية وتحفها السكينة والطمأنينة فعلًا كانت تلك السويعات فيها روحانية.

أضف أن نقاشاتهم في بعض القضايا الاجتماعية والفقهية وحتى السياسية كانت خالية من الحقد والكراهية والبغضاء، ومغلفة بغلاف الاحترام لوجهات النظر للآخرين وإن اختلفت وجهات النظر في بعض القضايا سواء الاجتماعية أو الفقهية أو السياسية، لكن يبقى الاحترام والتقدير من الثوابت التي لا يختلف عليها اثنان وكان مبدأ الاحترام عندهم قائم على تطبيق المثل «لا يفسد للود قضية».

لكن هذه الأجواء الروحانية العامرة بذكر الله في تلك المجالس انتهت وذهبت أدراج الرياح، واستبدلت وحل محلها الهواتف النقالة، وما أن يبدأ الإنسان بمضغ القات إلا وتجد قد أشهر سيفه النقال (الهاتف) وبدأ يقلب صفحات الفيس بوك والواتساب غير آبه بأحد من الحاضرين، وبهذا تتحول المجالس المفعمة بالحيوية إلى مجالس يسودها الصمت وتراهم وكأن على رؤوسهم الطير أو أن شيئًا ما قد حدث فألجم ألسنتهم وربط على عقولهم فهم صم بكم لا يتكلمون ولا يسمعون.

لا بأس على المرء ما بين الفينة والفينة أن يتعهد هاتفه ويتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة الجديد لا أن يكثر منها ويهمل الآخرين، أنت جئت لتجلس مع أصدقائك وأحبابك لتأنس بقربهم وتفرح معهم وبوجودهم هروبًا من صخب الحياة ومحزناتها.

أحيانًا في بعض المجالس تجد أناسًا قلوبهم سكرى برحيق السياسة فهؤلاء لا يراعون نفسيات المجتمع الذي بات يعيش حالة ضياع وتشرذم وكمد وغم وهم شديدين على النفس في بلد تمزقه الأوضاع الاقتصادية وتفتك به الأزمات السياسية.

البلد يحرق والساسة يتصارعون على المناصب واللصوص يتهافتون على المال العام، وهؤلاء يحشرون أنفسهم وغيرهم بالحديث عن السياسة ويشعلون نار الفتنة في المجلس فيسود هذه المجالس نوع من الفوضى ويحصل ارتفاع للأصوات وتتحول القلوب من قلوب نقية إلى قلوب محملة بنفايات الحقد والكره والبغض بسبب نقاشات سياسية عقيمة والخوض في خزعبلاتها التي ليس لنا فيها أي تأثير يذكر، والرأي في السياسة رأي الساسة هم أصحاب القرار في الأول والأخير ونحن ليس لنا من كلام السياسة إلا وجع القلوب وجرح الآخرين ويتحول الموقف إلى عداء شخصي قد يطول أمده.

في مثل هذه حالات تكون مضطرًا هذا الاضطرار الاختياري، تولَد بسب ركام الضوضاء والغوغاء المخيمة على المجلس فكان لزامًا أن تستخدم هاتفك النقال وتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي هروبًا من كلام عقيم تشيخ له العقول وتنفر منه القلوب، وحتى لا يصل إليك لهيب نار تلك الخزعبلات فتحرق قلبك فتجرح الآخرين والآخرين يجرحوك وتدخل في مهاترات مع الآخرين بسب عقليتهم المتحجرة وأنت في غنى عن ذلك فهنا يكون الصمت حكمة لتتجنب مثل هذه النقاشات العقيمة التي لا فائدة فيها.

يعجبني البعض يفتح هاتفه ويبدأ بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي بشكل سريع ثم يغلقه والبعض الآخر يقرأ للحاضرين ما أعجبه كقراءة البخاري ومسلم أو قصص الأنبياء وغيرها من الكتب المفيدة، التي تجعل الانسان على نور وبصيرة فيستفيد هو في ترسيخ ما قرأه في ذاكرته ويستفيد منه الآخرين، وهذه بادرة طيبة وحسنة وجب علينا استغلالها الاستغلال الأمثل والمفيد لعقولنا وأرواحنا وحتى لا تتحول مجالسنا إلى مجالس فيها قطيعة غير مباشرة.