لا يوجد هناك نظرية أثارت هزة عميقة في العالم، مثل ما أثارت نظرية التطور. فقبل 158 عامًا في 24 نوفمبر 1859 نشر عالم الطبيعيات الإنجليزي تشارلز روبرت داروين (1809-1882) كتابه «أصل الأنواع» والذي أثار عند نشره عاصفة وضجة كبيرة في الدوائر العلمية والفلسفية والدينية، وبسبب هذه الضجة التي أثارتها نظرية التطور أصبحت تعتبر النظرية الأكثر إثارة للجدل في التاريخ. والسبب الذي جعل الناس لا تقبل هذه النظرية في ذالك الوقت يرجع لحقيقة أن منذ ظهور الأديان على وجه الأرض، استحوذت أطروحة الخالق والموجد لكل شيء على أذهان البشر، وقدرته على تدبير الكون ومن فيه بطريقة كن فيكون.

حيث إن الصورة التي توجد عند أي شخص يعارض فكرة التطور، هي أن كل شيء في الكون منظم ومصمم على نحو دقيق وفي غاية الدقة والإحكام ولا مجال للصدفة والتطور الطبيعي المستقل عن إرادة الخالق. ولهذا تعتبر الأديان هي السبب الرئيسي لرفض فكرة التطور آنذاك. ومنذ ذلك الوقت خاض المفكرون والعلماء والفلاسفة والفقهاء، على مدى قرون طويلة صراعًا مريرًا بين هاتين الأطروحتين العلمية والدينية أو الفيزيائية والميتافيزيقية.

لا يمكن اختصار الكلام عن التطور وآلياته في مقالة واحدة، وهذا يرجع للكم الهائل للمعلومات التي تتمتع بها هذه النظرية، والتي تحولت في ما بعد إلى علم يعرف باسم «البيولوجيا التطورية» ولا يمكن لك أن تتعمق في علم الأحياء إلا وأنت عارف بكل آليات التطور.

ما هو التطور وكيف يحدث؟

التطور يعني ظهور سلالات تظهر عليها تعديلات (تغيرات) عن الكائن الأصل (السلف). ويعني كذلك أن الأجناس سواء كانت حيوانية أو نباتية تتغير مع مرور الزمن، وهناك جانبين للتطور، الجانب الأول هو أن الإنسان تغير أو القط تغير مع الوقت لكنه يبقى قط في آخر المطاف، أما الجانب الثاني أو ما يسمى بالتطور الكبير «Macroevolution» أي أن الأجناس تتطور الواحدة من الأخرى. ويحدث التطور إما عبر الإختلافات الجينية الموروثة التي تستطيع الانتقال للأجيال التالية أو عبر حدوث طفرة أو عبر ظاهرة الهجرة أو الانجراف الوراثي وكذلك الانتخاب الطبيعي باعتباره آلية.

هناك بعض الأخطاء الشائعة عن التطور وبعض الخرافات التي يصدقها البعض عن داروين والتي لا تمت لنظرية التطور بأي صلة، وتسبب هذه الخرافات مشكل كبير للبعض في تقبل هذه النظرية. وخرافة أن الإنسان أصله قرد هي الخطأ الأشهر على الإطلاق الذي يتم استخدامه بشكل دائم من معارضي نظرية التطور. وهذه الخرافة ترجع لسبب عدم فهمهم لها. فمعارضي التطور يقومون بنسب هذه الخرافة دائمًا إلى تشارلز داروين، وفي الحقيقة هذا الأخير لم يقل بتاتًا أن الإنسان أصله قرد، لا هو ولا أحد من علماء نظرية التطور قال بهذا، واذا رجعنا لبداية النظرية سنجد أن داروين تحدث عن القرود بأنها تمتلك مع البشر سلفًا مشتركًا، وهذا ما يشبه علاقة أبناء العم، وهي علاقة تختلف بشكل كبير عن علاقة الأب بالابن. وهذا ما قاله داروين في كتابه «نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي» عن هذه المسألة:

إن التشابه الواضح، سيدفعني خطوة للأمام، للقول إن كل الحيوانات والنباتات جميعًا قد انحدرت من كائن قديم بدائي، ورغم أن التشابه قد يكون مضللًا، فإن جميع الكائنات الحية لديها الكثير من القواسم المشتركة، في تكوينها الكيميائي وأعضائها التكاثرية وتركيبها الخلوي، والقوانين التي تحكم نموها وتكاثرها

وهذه هي شجرة عائلة الجنس البشري، حيث توضح لنا الاختلاف الموجود بين مجموعة الهومو ومجموعة البارانثروبوس والأسترالوبيثكس والأرديبيتكوس.

وهذه الصورة تنفي الفكرة التي يتبناها البعض، والذي تتمثل في أن الإنسان تحول من هيئة القرود إلى صفته الحالية بين ليلة وضحاها، لكن السجل الأحفوري يخبرنا أن سلالة الجنس البشري مرت بمراحل من التطور المتدرج حتى وصلنا إلى صورتنا الحالية قبل قرابة الـ 200 ألف سنة.

والخطأ الثاني الذي يتكرر دائمًا هو أن داروين كان ملحدًا، لكن داروين بنفسه قال:

لم أكن يومًا ملحدًا، إذا كان الإلحاد يعني النفي التام لوجود الإله، أظن أن «اللا أدرية» هي أفضل وصف لطبيعة تفكيري.

نعم هكذا تكلم داروين عن نفسه، فهو كان رجل منطقي وبدون المنطق لم يكن ليتوصل لأي نتيجة.

المشكل الكبير هو أن البعض يعتقد أن نظرية التطور تنفي وجود الخالق أو تؤدي إلى الالحاد، وهذا غير صحيح إطلاقًا، فنظرية التطور تفسر لنا كيف تطورت الكائنات الى صورتها الحالية وليس نشأة الحياة على الأرض. وقد قال تشارلز داروين حول هذه المسألة:

ليس بالضرورة اتخاذ الاعتقاد بصحة النظرية سببًا للإلحاد.

وهناك علماء كبار يرون ان نظرية التطور لا تتعارض مع الدين. وهناك أيضًا بعض العلماء العرب والمسلمين الذين يجمعون بين الإيمان وبين الاعتقاد بصحة النظرية، ولعل أن أبرزهم هي الدكتورة رنا الدجاني التي تقوم بتدريس نظرية التطور للطلاب المسلمين. وقامت الدكتورة رنا بنشر مقال في دورية نيتشر العالمية توضح فيه السبب الذي يجعلها تعتقد أن التطور لا يتعارض مع الدين وتقول هذه الأخيرة حول إشكالية تعارض التطور مع الدين:

بوصفي عالمة مسلمة، فإنّ رؤيتي هي أنّ القرآن يدعو البشر للنظر والتدبر في العالم وطلب المعرفة. لكن دور القرآن ليس إثبات المكتشفات والنتائج العلمية. فالعلم هو الذي يسمح لنا بالبحث والكشف عن الطرق التي يعمل بها العالم، بينما يوفر القرآن الكريم المبادئ التوجيهية الأخلاقية للقيام بذلك.

الأفكار يجب أن تبنى على معرفة علمية عميقة وصحيحة، وليس فقط لأنك سمعت بعض الأقوال والشائعات المنتشرة والتي لا يوجد لها أي مصدر يتبث صحتها. ومسألة قبول التطور ترجع لمقدار معرفتك بها، فهذا أمر شخصي يرجع إليك وحدك فقط، ولا أحد لديه الحق في أن يفرض عليك أي فكرة مهما كانت، فأنت لك الحرية في أن تعتقد ما تشاء، لكن سواء عجبك الأمر أم لا فإن نظرية التطور صحيحة علميًا مثلها مثل نظرية النسبية، والجاذبية، والكمّ، والديناميكا الكهربية. لهذا لا تضيع وقتك في تصديق الخرافات والهراء المنتشر في المواقع الاجتماعية، وابدأ بالبحث عن الحقيقة.