تبعثرت الخريطة العربية منذ 16 عاما، وانتقلنا من حربٍ إلى حرب، ولمّا أطل الربيع العربي آخر فرصة لإنقاذ الجغرافية العربية من مخاطر السقوط الانتحاري بين فكي الاستبداد والإرهاب ، تحالف الشرق والغرب لخنق بارقة الأمل هذه.

أحيت الولايات المتحدة الأميركية، في جو عاصف، الذكرى 16 لهجمات 11 سبتمبر، حيث قتل أكثر من 3500 أميركي وسط ركام برجي التجارة العالمية في نيويورك، وفِي مقر وزارة الدفاع في واشنطن، بعد اختطاف أربع طائرات مدنية وتحويلها قنابل طائرة.
بعد أيام، أطل أسامة بن لادن من كهف في تورا بورا، وتبنّى العملية، ووقّع عليها بقلم تنظيم القاعدة، فردّ عليه جورج بوش الابن بحربٍ صليبية، ونداء أخرق يقول: من ليس معنا في حربنا على الإرهاب فهو ضدنا. اعتمد بن لادن الإرهاب لتقسيم العالم إلى فسطاطين، للإيمان وللكفر. واعتمد بوش محاربة الإرهاب ليقسم العالم بدوره إلى فسطاطين، مع أميركا وضدها، ولا منطقة وسطى في حربٍ بدأت أميركية وصارت عالمية… ولأن الحمق مثل المصائب لا تأتي إلا مجتمعة، اختار بوش، مدفوعا بصقور المحافظين الجدد، إعلان حربين، على أفغانستان التي تؤوي تنظيم القاعدة، وعلى العراق لأنه يخبئ أسلحة محظورة ويهدد العالم الحر، حسب زعمٍ اتضح كذبه بعد غزو العراق، وقتل مئات آلافٍ من أبنائه.
لا المعركة الأولى نجحت في تقليل عمليات القاعدة التي أصبحت ماركةً عاليةً عابرة للحدود، ولا الثانية جعلت العراق واحة للديمقراطية والحرية والرخاء في الشرق الأوسط المعطوب. بالعكس، خسرت الولايات المتحدة في المعركتين، لأنها لم تختر الأرض المناسبة، ولا السلاح الفعّال، ولا الاستراتيجية المطلوبة للتعامل مع ظاهرة معقدة جدا اسمها الإرهاب الذي صار صناعة دولية، وبعدما كان محصورا في جماعة صغيرة تحيط ببن لادن والظواهري في أفغانسان، تحول عقيدةً لآلاف الشباب العربي والمسلم، الفقير في معظمه، العاطل في أغلبه، وغير المندمج في مجتمعه. ازدادت وتيرة العمليات الإرهابية مع سقوط المدنيين في أفغانسان. ومع الاحتلال الأميركي للعراق، ومع الوحشية في سجن أبوغريب، وصدمة غوانتنامو، كلما وسعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب على الإرهاب والخلط بينه وبين الإسلام، ازدادت قدرة القاعدة على الحشد والاستقطاب وتوليد مشاعر الكراهية ضد كل ما هو غربي ومسيحي، من دون تمييز، ولا فقه لا في الدين ولا في والواقع، ولا في ميزان القوى وفنون الحرب الحديثة.
كانت “القاعدة” تنظيما فحولته أميركا وحلفاؤها إلى فكر، أو قل طريقا مختصرا للانتقام وتصريف فائض اليأس في نفوس الشبان المسلمين في أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا، وطبعا في العالم الإسلامي، المعبأ بكل أنواع المتفجرات، أولها الفكر السلفي الجهادي الذي زرعت منهجه الوهابية، وتكفلت الرادكالية الأصولية بتحويله إلى قنابل، وأحزمة ناسفة، وعبوات متفجرة، وخلايا نائمة ومستفيضة، وذئاب منفردة.
وبعدما تعبت “القاعدة”، جاء “داعش” النسخة الأكثر وحشية للسلفية الجهادية التي بدأت في العراق، وانتقلت إلى سورية واليمن وليبيا ومصر. وفِي كل هذه الدول أنشأت (ممالك) تابعة لأمير المؤمنين، أبي بكر البغدادي، الذي كان يحكم من مدينة الموصل في العراق، ويصدّر القتل والرعب والتوحش إلى العالم. “داعش” ابن شرعي لثلاثة أطراف، أميركا التي احتلت العراق بعد أن حاصرته اقتصاديا وأذلته نفسيا بعد احتلاله، الوهابية التي تدفقت خارج حدود السعودية لنشر فكر ديني متطرّف، محصور في النقل دون العقل، مشدود للشكل دون الجوهر، فكر يحاول استعادة نموذج سلف غابر، من دون اعتبار لتغيرات العصر وتطور الفكر. ثالث أب لداعش إيران وحلفاؤها العراقيون الذين حوّلوا الحرب من سياسية، مع بقايا حزب البعث، إلى مذهبية مع أهل السنة، كل أهل السنة، والنتيجة أن العراقيين ارتموا في أحضان “داعش”، باعتبارها الأكثر دموية وتوحشا للرد على الحرب على الهوية التي أطلقها نوري المالكي وقيس الخزعلي ومقتدى الصدر ومليشيات الحشد الشعبي.
هكذا تبعثرت الخريطة العربية منذ 16 عاما، وانتقلنا من حربٍ إلى حرب، ولمّا أطل الربيع العربي آخر فرصة لإنقاذ الجغرافية العربية من مخاطر السقوط الانتحاري بين فكي الاستبداد والإرهاب ، تحالف الشرق والغرب لخنق بارقة الأمل هذه التي تجسّدت في خروج قوة ثالثة إلى شوارع العواصم العربية، من أجل المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، جرى بسرعة خنق هذا الصوت والرجوع إلى المعادلة القديمة: الاستبداد العربي هو الذي يحمي الغرب من إرهاب الجماعات الأصولية، لكن هذا الدواء هو الداء نفسه، حتى يستمر العالم العربي جزءا من مشكلات الأرض، لا جزءا من حلها.