7ab46363-5df6-4e88-91ac-4e59d7f3424f.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عبد اللطيف السعدون

النحات محمد غني حكمت الذي تمر هذه الأيام الذكرى السادسة لغيابه ظل يشعر بالمرارة إلى آخر أيام حياته، لأن السياسة أقحمت نفسها في الفن، وأساءت إلى نصب الحرية الذي يمثل كفاحات الشعب العراقي على مدى التاريخ.

يذكر محمد غني حكمت، وهو آخر حبات عنقود النحاتين العراقيين الأول بحسب وصفه نفسه، أن نصب الحرية الذي شارك في إنجازه مع أستاذه جواد سليم كان أول عمل نحتي يتم بأيد عراقية خالصة، بعد آخر عمل آشوري في فن النحت، إذ كانت التماثيل التي عرفت في العهد الملكي من صنع نحّاتين أجانب. صنع تمثال الجنرال مود نحّات بريطاني، فيما صنع نحّاتان إيطاليان تمثالي فيصل الأول وعبد المحسن السعدون، لكن حكمت الذي تمر هذه الأيام الذكرى السادسة لغيابه ظل يشعر بالمرارة إلى آخر أيام حياته، لأن السياسة أقحمت نفسها في الفن، وأساءت إلى نصب الحرية الذي يمثل كفاحات الشعب العراقي على مدى التاريخ. يشرح حكمت كيف أقدم البعثيون عام 1963 على إزالة معالم “حمامة السلام” التي كان يضمها النصب، بحجة رمزيتها لحركة السلام التي يروّجها الشيوعيون. يضيف حكمت “هم لا يعرفون أن الحمامة رمز رافديني خالص، إنها الحمامة التي أرسلها نوح، ليتأكد أن الأرض قد جفّت، ليمكنه الخروج من السفينة، وإعادة إعمار الأرض، وقد عادت، وهي تحمل بمنقارها غصن زيتون أخضر إشارة إلى سلامٍ يعم الكون”. 
واقعة أخرى أصابته بالوجع، رواها حكمت في آخر لقاء لي معه، في مشغله في عمّان، بنيّة التحاور لإنجاز مشروعٍ يوثق حياة مبدعينا الكبار، فقد كلفته، في ثمانينيات القرن الراحل، وزارة التعليم العراقية بإعداد عملٍ فنيٍّ يمثل العراق، ليوضع في مبنى “يونسكو” في باريس، أسوة بدول أخرى، وأبلغ بالسفر إلى العاصمة الفرنسية، للبدء بالعمل بوعد أن تغطّي السفارة هناك التكاليف، بما فيها تكاليف الإقامة. واستدان حكمت بعض المال من صديق له، للإنفاق على العمل في انتظار أن تصرف السفارة ما اتفق عليه، لكنها رفضت، وأبلغته أن بإمكانه العودة إلى بغداد إن شاء، فأسقط في يده، واضطر إلى الاستدانة مرة أخرى، لإنجاز نصب
“محمد غني حكمت: السياسة كانت تحاول تضييق مسار الفنون، وتجييرها لصالح توجّهات معينة، ليست الحكومة وحدها المعنية بذلك”

“باب السلام” الذي احتفلت “يونسكو” به لاحقا، بحضور مثقفين ودبلوماسيين فرنسيين وعرب، واحتفت بصانعه، لكن حكمت حزّ في نفسه أن لا يحضر حفل تكريمه ممثلٌ عن سفارة بلاده، ربما لأنه صنع نصبا للسلام، معبرا عن طموح العراقيين لأن يعيشوا في سلام وأمان دائميْن، وليس في حروب وصراعات، هكذا فكّر، في حينها كان العراق يخوض حربا ضروسا مع إيران.
يضيف حكمت إن السياسة كانت تحاول تضييق مسار الفنون، وتجييرها لصالح توجّهات معينة، ليست الحكومة وحدها المعنية بذلك. أحزاب اليسار أيضا سعت إلى ربط حركة الفن التشكيلي العراقي التي شهدت تصاعدا في الخمسينيات فيها، يؤكد أن جواد سليم نفسه لم يكن مرتبطا بحزب سياسي، “أنا أعرف جواد عن قرب، كان مخلصا لفنه، ومخلصا لبلده ولتاريخه ليس أكثر، وحتى “جماعة بغداد” التي أسّسها لم تكن محسوبةً على اليسار أبدا، فقد كانت تنادي بالاستفادة من الموروث الحضاري، وخصوصا موروث العراق القديم السومري والآشوري والبابلي والإسلامي.. إلخ، وتجديده بما يتفق وروح العصر”.
يشرح حكمت ما يعرفه: “لم يكن أحد من التشكيليين (في مرحلة الخمسينيات) مرتبطا بحزب سياسي، كان لديهم جميعا اتجاه وطني عام، بعضهم وثق لحال الفقراء والمهمشين في لوحات تشكيلية. أنا رسمت لوحة “الحمالون”. شاكر حسن رسم لوحة عن الفلاحين. لدى جواد سليم لوحات بالتوجه نفسه. لم يكن هناك هدف سياسي، إنما كل تلك اللوحات كانت نتيجة الإحساس بوضع الطبقات المحرومة والتعاطف معها، وهذا يعكس التزام الفنان بالتعبير عن الهموم الإنسانية، وليس عن تيار سياسي معين، لكن كتابات لاحقة حاولت أن تضفي على هؤلاء الفنانين توجها حزبيا محدّدا”.
لم يكن محمد غني حكمت شاهدا فحسب على نهضةٍ ثقافيةٍ وفنيةٍ عرفها العراقيون في عقود الخير والمحبة التي رحلت مع أهلها، بل كان أحد صنّاعها الحقيقيين، وهو الذي قدّم أكثر من عمل فني يُشار اليه بالبنان: “شهرزاد وشهريار” و”كهرمانة” و”علي بابا والأربعين حرامي” و”عشتار” و”حمورابي” و”أبو جعفر المنصور” و”المتنبي” وسواها، لكن السياسة ظلت تطارده حتى بعد موته، حيث لم يذكره بالخير أحد من سدنة الثقافة العراقية الرسمية الماثلة في بلادنا اليوم. وحده “غوغل” احتفى به السنة الفائتة، ووضع اسمه على محرّك البحث، تكريما له وتذكيرا بما قدم وأنجز.
(كاتب عراقي)

إعجاب تحميل...