bf527799-3404-48b9-a782-00cfb208c26d.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

نور درويش

تعرّضت شريحة واسعة من طلاب الجامعات، بفعل الأزمة الخليجية، لتمييز وظلم حالا دون تحقيق طموحاتهم في تعليم عالٍ، يبنون فيه الأوطان، ويساهمون فيه في إحداث حالةٍ من الترابط والتكامل بين دول الخليج، ما يعني أنه يجب فصل التعليم عن السياسة.

تدخل الأزمة الخليجية شهرها الرابع ملقيةً بظلالها على جميع مستويات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الخليج العربي، وقد وثقت منظماتٌ دولية ومحلية الانتهاكات الناجمة عن الإجراءات غير القانونية التي قامت بها دول الحصار، وكانت محل إدانة ورفض. وقد طاولت الإجراءات غير القانونية، والتي يغيب عنها المنطق والعقل، حقا أساسيا ومهمّا من حقوق الإنسان، وله تأثير مباشر على نهضة الدول وتطورها، وهو حق التعليم، فلا تكاد تهدأ الحملة الإعلامية التي طاولت كل مناحي الحياة، ولم تسلم منها حتى المؤسسات العلمية والأكاديمية في دولة قطر التي ينصبّ جلّ اهتمامها ونشاطها على البحث العلمي والإنتاج المعرفي، منها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا وجامعة قطر.
وقد أصدرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في دولة قطر تقريراً مفصلاً حول انتهاكات دول الحصار التعليم، بعنوان (المؤسسات التعليمية في دول الحصار.. وجهة تعليمية غير آمنة)، إذ ورد في التقرير أن عدد شكاوى انتهاكات الحق في التعليم بلغ 213 حالة لطلاب وطالبات من دولة قطر، يدرسون في دول الحصار (السعودية، البحرين، الإمارات)، بينما أجبرت دول الحصار نحو 706 طلاب وطالبات يدرسون في جامعة قطر على العودة إلى بلدانهم. وبالتالي، فإن طلابا عديدين فقدوا مقاعدهم الدراسية، بسبب كونهم قطريين، أو حتى أجانب
“أجبرت دول الحصار نحو 706 طلاب وطالبات يدرسون في جامعة قطر على العودة إلى بلدانهم”

يقيمون في قطر. كما تم إيقاف دراستهم في منتصفها، وإرغامهم على مغادرة الدول التي يدرسون فيها. وحُرم آخرون من حقهم في استلام شهادات التخرج التي تمثّل اعترافاً رسمياً باستكمالهم متطلبات الدراسة. إضافة إلى ذلك، سجّلت بعض الحالات لطلابٍ منعوا من استرداد المبالغ المالية المدفوعة للجامعات، والتي تقدّر بآلاف الريالات القطرية.
يعد الحق في التعليم حقاً أساسياً كفلته المواثيق والاتفاقيات الدولية. وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1948، في مادته 26، على أنّ التعليم يعد حقاً مكفولاً لجميع الأشخاص. والجدير بالذكر أن هذا الإعلان العالمي يعدّ حجر الأساس الذي يستند إليه القانون الدولي لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من أنّ طبيعة هذا الإعلان لا تجعله ملزماً بحدّ ذاته للدول الأطراف، لكنّ فقهاء قانونيين عديدين أجمعوا على كونه جزءاً من القانون الدولي العرفي Customary Law، وبذلك يصبح ملزماً. وعليه، فإن انتهاك حق من الحقوق الواردة فيه أو تجاهلها يعدّ خرقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويعد كل ما تعرّض له الطلاب المتضررون من إجراءات دول الحصار تمييزاً ضد فئة معيّنة من الطلاب، وهو موضوع أساسي في اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم التي اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) عام 1960، والتي صادقت عليها السعودية ومصر. وتعرّف المادة الأولى بالاتفاقية التمييز “بأنه أي استعباد أو تفضيل على أساس العنصر أو اللون أو الدين أو الجنس أو الرأي السياسي أو

“يعد الحق في التعليم حقاً أساسياً كفلته المواثيق والاتفاقيات الدولية”

الأصل الوطني والاجتماعي”. وتشمل الاتفاقية جميع مراحل التعليم وأنواعه بما فيها التعليم العالي. كما تنص الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في التعليم ومنع التمييز. وتنص المادة الثالثة عشرة من الاتفاقية على ضمان الحق في التعليم لكل شخص، وأنّ هذا التعليم يجب أن يقوّي قيم احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والحريات العامة. ووفقاً للفقرة الثانية من المادة الثانية للاتفاقية، على الدول الأطراف ضمان ممارسة الحقوق الواردة في الاتفاقية، من دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون أو الجنس أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني والاجتماعي.
في الختام، تعرّضت شريحة واسعة من طلاب الجامعات، بفعل الأزمة الخليجية، لتمييز وظلم حالا دون تحقيق طموحاتهم في تعليم عالٍ، يبنون فيه الأوطان، ويساهمون فيه في إحداث حالةٍ من الترابط والتكامل بين دول الخليج. وبالتالي، لا بد من التأكيد على ضرورة عدم إقحام الطلاب الخليجيين أو المقيمين في دول خليجية في الخلافات السياسية بين الدول، ورفع الحصار المفروض على دولة قطر، والتسريع في إجراءاتٍ مناسبةٍ لاستئناف الدراسة لجميع الطلاب وفتح المنافذ والمعابر البرية والجوية والبحرية للسماح للطلاب القطريين والمقيمين في دولة قطر بالرجوع لإكمال دراستهم.

إعجاب تحميل...