نلمس الانحياز لطول القامة حتى بين الرؤساء والزعماء، فنابليون بونابرت عانى من عقدة قصر قامته، بل صنف على أساس أنه ضئيل الجسم، وذهب محللون نفسيون إلى أن ذلك من أسباب إصابته بجنون العظمة وحب السيطرة.

فيما أبدى كثيرون بهجتهم بأن هناك يوماً عالمياً لطوال القامة، وكانت بهجتهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والتفاخر والتباهي بالانتماء لهذه الفئة، هناك من ظهروا ليعلنوا أن هناك يومًا ينتظر قصار القامة أيضاً.
لا يعني تخصيص يوم لطوال القامة بأنهم مميزون، أو أنهم نخبة البشر، فيما علق بعضهم بالمثل الشعبي لأمهاتنا على طويل القامة: بأنه طول النخلة، لكن العقل لا يجاوز عقل صغير الماعز. والأمهات أنفسهن كنّ يشترطن طول القامة للعروس التي يتم اختيارها للابن المدلل، بغض النظر عن طوله؛ فترفع الأم ذراعها للأعلى، وهي تجلس أرضاً، حتى تكاد تقف وهي تشير إلى طول العروس، لتزيد من رغبة ابنها في اختيارها، وغالبا ما تكون العروس ليست كذلك، لكن أمها صديقةٌ مقرّبة من الأم، أو أنها تجيد الطبخ وتدبر أمور البيت. وفوق هذا، فهي تستقبل الخالة، أي الحماة المستقبلية، هاشّة باشّة، وتلحق ذلك بالقهوة “المحوجة” وعلبة الشوكولاتة الفاخرة لكي تنال رضاها.
كانت التلميذات، في المدرسة، يتخلين عن بهجتهن بطول قامتهن في اليوم الأول من العام الدراسي، وتخفض كل واحدة من رأسها، وقد تميل بكتفها ذات اليمين أو اليسار، لكي تتأكد المعلمة من قصر قامتها؛ فتختار لها مقعداً متقدّماً قريباً من السبورة الخشبية. ولكن، بعد أيام تشتكي التلميذات من رقبة الزميلة التي تشبه رقبة الزرافة، والتي تحجب السبّورة عنهن، وتعود الزميلة لتمشي منتصبة القامة، وتهزّ ضفيرتها خلف ظهرها. أما في بلدان غربية كثيرة، مثل كندا، فلا يجلس التلاميذ في صفوف، بل يجلسون إلى طاولاتٍ مستديرة، تساوي بين الطويل والقصير في القرب من السبورة، والاستماع إلى شرح المعلم، فنجا هؤلاء المحظوظون من عقدة المقعد الأول، والذي يخصّص لابن المعلمة وابن أخ المديرة، وليس لقصار القامة من التلاميذ.
وفي استوديو التصوير التقليدي، يحتفظ المصور الحانك، والمتصابي غالباً، بقاعدةٍ خشبيةٍ بارتفاعٍ لا يزيد عن عشرة سنتميترات، ويدسّها تحت قدمي كل عروسٍ تأتي لالتقاط صورة تذكارية مع عريسها؛ لكي تقف إلى جواره متأبطةً ذراعه، فلا تضطر للتسلق، ولا يضطرّ العريس للانحناء، خصوصا أن هذه الصورة سوف تعلق في واجهة بيت الزوجية، وستكون دليلاً وشاهداً على أن العروسين كانا ملائميْن لبعضهما بعضا، ولكن الحقيقة أن أولادي اكتشفوا أني أقصر من والدهم على أرض الواقع بأكثر من عشرة سنتميترات، فيما اكتشفت ذلك من خلال تحديقي المستمر بذلك البرواز الضخم المعلق في بيت العائلة، ومقارنته بما أراه على الأرض، حين تسير أمي إلى جوار أبي، وأسمع تلميحات جدتي أن أبي لم يحالفه الحظ بزوجةٍ طويلة القامة، على الرغم من أن المثل الشعبي كثيراً ما انحاز للقصيرات في أمور الزواج حيث قال: زوج القصيرة يحسبها صغيرة، فيما أكدت دراسات علمية أن الرجال يميلون إلى القصيرات، ويجدونهن أكثر جاذبية!
ونلمس الانحياز لطول القامة حتى بين الرؤساء والزعماء، فنابليون بونابرت عانى من عقدة قصر قامته، بل صنف على أساس أنه ضئيل الجسم، وذهب محللون نفسيون إلى أن ذلك من أسباب إصابته بجنون العظمة وحب السيطرة. أما الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولاي ساركوزي، فقد اعتمد الصناديق الخشبية التي سميت باسمه، للوصول إلى الميكروفون. وأجمعت دراسات على أن طول المرشح الأميركي يلعب دوراً كبيراً في رفع احتمالات فوزه، ما يجعلنا نجزم أن هذا التمييز لا يقتصر على العامة، ولا يجعلنا نلومهم؛ لأن الزعماء يلقون بالاً لهذه المعايير الخَلقية، لا الخُلقية، والتي لا دخل للإنسان فيها، بل تتبع قوانين الوراثة.
وإن كنا سنمنح طوال القامة اهتماما كبيرا؛ فذلك لأن المقاوم المجهول الذي ظهر في قريةٍ فلسطينية، وظل يزود المقاومين بالسلاح، ولا يلتفت للنساء الجميلات، ولا إغراءات إمام المسجد والتجار الأثرياء في القرية، للارتباط بإحدى بناتهم، كان يتميز بطوله الفارع اللافت، ولأنه كان مجهول الاسم أطلق عليه اسم “ظريف الطول”، وظل مثالاً لكل مدافعٍ عن وطنه وعروبته.