مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

كاظم البرجس (سورية)

إنها كارثة إنسانية حلّت على الأميركي، أبيض أو أسود، مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، وليس من الإنسانية بشيء أن يشمت شخص ما بمأساة المدنيين، على أقل تقدير إكراما للأميركيين الذين اعتصموا في مطارات بلادهم رفضاً لقانون حظر سفر المسلمين.

حين تحرّر مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي قبل عامين (ويا محاسن المصادفات بالنسبة لشبيحة بشار الأسد أن حادثة التحرير تتزامن الآن مع أعاصير أميركا)، قال الشبيحة، آنذاك، في سياق حديثهم عن “المؤامرة الكونية والدول الإمبريالية الإستعمارية”، إن أميركا ساعدت “الإرهابيين” في سيطرتهم على المطار من خلال مشروع هارب الأميركي الذي أحدث عاصفة رملية، مكّنت المقاتلين من السيطرة عليه حسب قولهم.
واستنادا إلى ذلك الطرح، يشمتون اليوم بإعصاري إرما وهارفي في أميركا، ليقولوا إنهما انتقاما لجنودهم في المطار، لا بل إنّ عضو مجلس التصفيق التابع لبشار الأسد المدعو، أحمد الشلاش، كتب منشوراً على صفحته في “فيسبوك” قال فيه: “أشعر بالشماتة إلى أقصى حدودها في ما يحصل في أميركا بسبب إيرما.. دعوات أمهات الشهداء والمشايخ والناس الوطنيين الأتقياء ما راحت سدى لك ترامب، كله مخبّى لوقتو، ولسا ما شفت شي يا ظالم وإلقى إذا بتلقى”.
ليسوا وحدهم شبيحة الأسد من شمتوا، بل إن كثيرين في عالمنا العربي والإسلامي فرحوا بالأعاصير التي اعتبروها انتصاراً للشعوب المظلومة المستاءة من سياسات أميركا ورؤسائها المتعاقبين، وتمنّوا مزيداً من الويل والثبور وعواقب الأمور، وهم لا يعلمون أنّ الإعصار لا يجري حسب هواهم بتقنية “جي بي إس”، بحيث يدمر منازل الأميركان باستثناء المسلمين.
ومنهم من جعل يبحث في القران الكريم وأحاديث السنة النبوية الشريفة ليجد ما يوافق طرحه، مستشهدا بآيات الله. على ذلك الدرب والتفسير الديني، سار يمينيون مسيحيون، إذ قالوا إن المثليين هم المتسبّبون في إعصار هارفي، وأضافوا إن مدينة هيوستن التي تفاخرت بتفانيها للمثليين، وانجذابها لحركة الانحراف الجنسي، إنها تحت الماء الآن.
غير أنّ آخرين غرّدوا في سرب آخر، وقالوا إن “أعاصيرا أميركا درس لترامب، بسبب خروجه من اتفاقية باريس العالمية لمكافحة تغيير المناخ”. وقد أرجع ترامب ذلك، حينها، من أجل حماية أميركا وشعبها على حد تعبيره.
لا بد من تأكيد المؤكد، وهو قدرة الله على كل شيء، ولا شك أنّ الريح والأعاصير والبحار بأمر الله يسلّطها على من يشاء، وهذه المشيئة تتم بعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وما علمناه من انتقام رباني بواسطة الطبيعة في قصص عاد وثمود، أخبر بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وحدهما، ونحتاج لنص إلهي لإثبات العقوبة، وقد انقطع بانقطاع الوحي، ولا نجزم بمصاب قوم: هل هو عقوبة أم حدث طبيعي؟ فكيف إذا يسمح بعضهم لنفسه أن يطلق أحكام العذاب على الآخرين؟ وما جوابه إن سألناه: ماذا ستقول إن أتت هذه الكوارث الطبيعية على عالمنا العربي والإسلامي الممزق الذي يشهد ما هو أشد وطأة من كوراث أميركا؟
هناك أمثلة كثيرة، كطاعون بغداد الشهير، وطاعون عمواس الذي مات بسببه ثلاثة ملايين إنسان في الشام، وكارثة الكوليرا في مصر التي وصلت إلى مكّة المكرّمة وكانت حدثا هائلا، إذ انقطع الحجّ مرّات عديدة، وحتى في الأخيرة (أي مكة) أفجعنا جميعا قبل عامين بسقوط رافعة في الحرم التي أوقعت عشرات الضحايا من الحجاج.
وإن سلمنا مع الشامتين أنّ ما حدث في أميركا غضبٌ من الله، فهل من الحكمة أن لا يغضب الله على بشار الأسد وروسيا وإيران وقواتهم في سورية؟
إنها كارثة إنسانية حلّت على الأميركي، أبيض أو أسود، مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، وليس من الإنسانية بشيء أن يشمت شخص ما بمأساة المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ، على أقل تقدير إكراما للأميركيين الذين اعتصموا في مطارات بلادهم رفضاً لقانون حظر سفر المسلمين، ولأجل ذاك الأميركي الذي سار حافيا بعد أن خلع حذاءه وألبسه لمهاجر عجوز، ومن أجل عجوز أميركية اعتصمت وحيدة، وشوّهت وجهها بأظافرها، وهي تبكي حزنا بعد مشاهدتها مجزرة خان شيخون.
بينما تغرق مدن أميركية بالمياه الجارفة، وتغرق في الآن نفسه “خير أمة أخرجت للناس” فى تفسير الواقع كما يحلو لها، تبقى مساجد ولاية تكساس نقطة وسط الظلام، إذ فتحت تلك المساجد والمركز الإسلامي في ستافورد أبوابها خدمة للمنكوبين على مدار الساعة، غير آبهة باتهام الشاعر أدونيس لها بالإرهاب، ولا الإعلامية المتطرّفة الموالية للأسد المقيمة في أميركا، وفاء سلطان، التي طالبت يوما بتحطيم كل المساجد.

إعجاب تحميل...