قالت لنا معلمتي ذات مرة في إحدى إذاعاتنا المدرسية: «نحن أمة أصلها ثابت وفرعها في السماء» كنت صغيرة لا أعي شيئا لكن كان القلب معلقا بأمتي التي لطالما علمونا في مدارسهم أنها الأقوى والأفضل، ولكن يمر عام يتبعه آخر، أرى بأم عيني من خانوا عهود الله سلبوا فلسطين ودنسوا أولى القبلتين تلك الأرض التي أمرهم الله بتعميرها فكان ردهم «اذهب أنت وربك فقاتلا» فعوقبوا بالتيه أربعين سنة، والآن عادوا وعاثوا فيها فسادا والأمة كالأصم يتفرجُ، وصمتهم هذا أباحنا للعالم، فأبيحت دماؤنا في بورما والشيشان وأفغانستان وامتد الأمر إلى سوريا والعراق.

وددت لو كانت معلمتي على قيد الحياة لأسئلها عن أي أمة كانت تتحدث؟ بحق السماء أي أمة تلك التي تسلب أرضها عامًا بعد عام ولا يتحرك لها جفن، انتهك عرضها واحتلت أرضها وسفكت دماؤها وأهين قرآنها ونبيها ولا زالت تحتفل بذكرى الهجرة، أمة تتباهى بماضٍ صار القبر مثواه ولا تسعى لبناء أي حاضر أو مستقبل.

كبرت وأصبحت أشاهد كيف أصبحت حياتنا دائرة تدور في ملاعب السياسة، كيف أصبح كل شيء لا يرضونه ولا يقبلون به محرم فهو انتهك حرمة السياسة، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم في كل خطبة يهيمون بسهام العنصرية متنكرة بلباس دين الديمقراطية الذين ابتدعوه.

لقد دخلت عالمهم الذين أسسوا قواعده على حافة جرف سيؤدي بهم يوما ما نحو الهاوية، دخلته منذ الانتفاضة الأولى للنصرة، رغم صغر سني حينئذ ومع ذلك في نظرهم كنت سياسية، كنت أظن أن القضية في الاحتلال وحسب ولكني حين كبرت فهمت أن القضية في الرؤوس التي تحمي الاحتلال وتقويه.

كبرت وفهمت أن ما يجرى في فلسطين هو سلام منمق، وأن الدماء التي يريقها بنو صهيون دماء الاإهابيين فمقاومة أبناء الأقصى هي إرهاب سيقف أمامه الشرع والقانون والعالم بأسره، فإذا نزف فرد من بني صهيون أزهقوا فداء له آلاف الأرواح.

علمت أن العالم قد يقف حدادا لأيام على رجل أو رجلين من شيعته، بينما سيقف فقط ليندد بما يدور في عالمنا العربي ومن أسفل الطاولة سيبتهج أيما ابتهاج بدمائنا التي تراق، وإذا واجهتهم يومًا وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وكان في آذانهم وقر.

كبرت وليتني لم أفعل معلمتي، علمت بأن الحديث عن فلسطين وسوريا سياسة، وبأن المطالبة بالحرية سياسة وجرم يعاقب فاعله بالإعدام والموت، علمت أن الدفاع عن الدين والعقيدة تشدد وجريمة يسميها العالم إرهابا.

كنت يوما ما سياسية حين تدخلت في أمور كنت أراها قضية أمة ولكنها في نظر العالم سياسة، رحم الله زمنا كانت السياسة فيه «أمرهم شورى بينهم» وكانت الحرب فيه تقف على أشدها لأجل عرض امرأة فما بالك بآلاف الأعراض التي تنتهك اليوم.

ولكني مع ذلك ما اعتزلت السياسة خوفا، فأصحاب الحق لا يخافون ولكن الحق بيّن والباطل بين وما عاد بينهما متشابهات، فطوبى لقوم القابض فيهم على دينه كالقابض على الجمر فقلبي بالدعاء يرعاهم وذلك أضعف الأيمان.

في الختام أود أن أنقل لك معلمتي مشهدا، طفل سوري يصرخ «ماتوا اخواتي» ذكرتني صرخاته بالطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي أبكى قلوبنا حين قُتل برصاص الغدر بين يدي والده ونحن فقط خلف الشاشات نشاهد، ولازال المشهد يتكرر كل يوم في بلد مختلف فلن تنتهي القائمة إن لم تنتهك الوحدة أيدينا بالقوة.

أوجه له ولكل طفل يعاني بران الموت في كل ثانية «قل سلامًا يا صغيري، سلام على أمة كانت يوما ما كالجسد الواحد إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، قل سلام الله يا عرب».