من المعروف عند رواد علماء النفس، أن السيكولوجيا العكسية هو أسلوب مبتكر في علم النفس يستخدم للتلاعب في الأنا الواعية العاقلة عند الإنسان، لإقناعه القيام بعمل معين عن طريق تأييد عكسه تمامًا، ويعتمد هذا الأسلوب على طرق لممارسة التجربة عند توجيه أي أمر للطرف الآخر لقيامه بفعل معين، وأهمها الاعتماد على المتناقضات مع بث روح التحدي في حزمة الأوامر الموجهة لاستفزاز الطرف الآخر، وخلق حالة قلق وتوتر في مكامن المدركات الحسية التي تسمح بتمرير المؤثرات الخارجية لمستودع المدركات العقلية وتحويلها من تصورات مجهولة إلى مدركة لتتبلور إلى أوامر قابلة لبناء تنفذ إلى الأفعال.

من هنا يمكن فهم أن هذا الأسلوب نتائجه كارثية على الفرد بشكل خاص، وعلى الجماعة بشكل عام، فالبعض من علماء النفس اعتبروا أن الهدف من استخدام السيكولوجية هو للتلاعب بالعقول، والتحكم بها وجعلها أداة توظيفية لتدمير الذات، أي الفرد الفاقد لشروط التوازن الداخلي بين المحسوس والمجرد، والدليل أن الفرد عندما يُمارس عليه هذا النهج يشعر بعدم الكفاءة بقدراته فيميل إلى تنفيذ الفعل المجمع عليه أو المطلوب منه تنفيذه.

انطلاقًا من إيجاز العرض وإسقاطًا على الأساليب المتبعة لمنظومة الأسد فإنَّ نظامه ومستشاريه الغربيين قدموا له هذا الطرح الغائب عن أذهانه، وهو نتاج طبيعي لنظام لم يستهل من سير المعرفة إلا ما يصب في تفعيل محور الشر داخل أروقة أجهزته ومرافقيه وحلفائه وحاضنته المناصرة لسيادة الأقوى فوق صدور المستضعفين، بما يُعرف بتقدس القائد الفرد.

وإثباتًا للمثال القائل أن المدرب يعلم سيكولوجية لاعبيه، فإن بشار الأسد تتلمذ على معرفة سيكولوجية جمهوره، ووضع خططًا مضادة لهم لوأد ثورتهم وجعلها يتيمة، واستثمر هالاته الإعلامية لفرض الأوامر التي يرغب من الجمهور تنفيذها.

على الطرف المقابل أضاع الشعب السوري المنتفض، عناصر مهمة كان من الممكن لو تم الوقوف عندها أن توصله لنتائج مرضية، بمعنى آخر لو أنَّ الشعب فعَّل أداوت التغيير من منطق العقل والتدبير، وفهم أساليب عدوه وطرق التعامل معه، لما كان اليوم واقفًا بموقف العاجز، والمفترض الشعب هو محرك للتاريخ وصانع لتاريخه خصيصًا في زمن انفتاح الثورات أمام أبواب التغيير وفك الشفرات التي وضعها النظام.

فعندما انطلقت الثورة السورية في مارس 2011، ساد اعتقاد عند غالبية مكونات الشعب السوري، أن نتائجها قاب قوسين بحسم حتمي، خلال شهرين أو ثلاثة، وقد تبلورت هذه القناعة بالوقت الذي عمت فيه المظاهرات أرجاء المعمورة بحراك سلمي، ولد من رحم الظلم والمعاناة إبان حقبة زمنية مؤرخة لأكثر من أربعة عقود مضت لكنها حاضرة في ذاكرة السوريين.

لم يكن مفهوم الشك الإيجابي حاضرًا في مخيلة السوريين، للتعامل مع الواقعية الثورية في مراحلها الأولى، والسبب هو تغيب مفهوم السوسيولوجيا المخصص لتطبيق التغير في المجتمعات السورية، أو المكونات، فالقوة التي تحرك الناس من أجل التغير تغلّب عليها المنحى العاطفي بثبات وإستاتيكا مكانية مؤقتة، كما تم هدر الطاقات وغاب عن الكثير ضبط التوظيف المرحلي منعًا لحدوث انشراخ في الروابط الاجتماعية الجمعية، وهي النقطة التي لعب عليها النظام منذ الشهور الأولى للثورة، فالجميع يعلم أن الأب حافظ الأسد هندس توزيع الجغرافية على أساس عرقي وأعراف وطوائف تخللها خلط بسيط مع المكون السني كونه يمثل أكثر من 80 بالمئة بين مكونات الشعب ككل.

فكان من السهل على «بشار الأسد» أن يعزف على وتر العرقية، فكانت أولى شعاراته أنه حامي الأقليات في سوريا، بينما الحقيقة اقتضت المتاجرة بها أمام المجتمع الدولي.

وبعد مضي سبعة أشهر من حراك مدني هدد ركائز النظام، فرض نظام الأسد معادلة عسكرية جديدة بعد دراسته لأنواع الاعتقادات والسلوكيات الرائجة بين السوريين، حينها علم النظام أنه سيكون عاجزًا أمام أصحاب الكلمة الحرة، عقب كسرهم كل القيود المفروضة على الأفق السياسية فاختار كتم الأفواه بفوهات البنادق والمدافع والدبابات.

الجدير هنا أن نشير أن النظام لم يُقدم على الحلول العسكرية عن جهل أو عدم دراية، إنما اعتمد عليها بعد تشكيكه بقدرات السوريين وترسخه لقناعة أننا سنفشل حتى ولو بعد حين، فراهن على عامل الوقت، ووضع أسس معرفة جديدة معاكسة لمنطق الواقع ومنافية لمفهوم الحقيقة، واستنبط منها أدوات المحاكمة العقلية السلبية لتكون سبيله في تبرير أفعاله وجرائمه.

وفي خضم ارتفاع وتيرة العنف والقمع من قبل أجهزة النظام، إن أول ما اعتمد عليه النظام إسقاط القانون الأخلاقي من منظومة قيادة المجتمع، فضرب بعرض الحائط كل الأسس التي تسمح للسوريين الاستفادة من أداوت التغير الاجتماعي، وحاصرهم وشردهم وجزأ مدنهم وقُراهم، في حين كانت الفرصة سانحة أمام السوريين الاستفادة من تجارب سابقة عبر وعي وإدراك لسيكولوجية الجماهير التي تكلم عنها المؤرخ الفرنسي «جوستاف لوبون» فعلى الرغم من أن الكتاب ألف منذ أكثر من قرن إلا أن الأجواء والمزاج السياسي تشبه كثيرًا الظروف التي تمربها بلدان الربيع العربي، إذ يرى «لوبون» أن من أهم خصائص الجمهور ذوبان الذات الفرد مع الجماعة مما سيجعل منه شخصًا متخليًا عن أناته الخاصة، فيتخلص من مرض تضخم الأنا بعد انصهارها مع العامة فلا يعود لمنطقه الأحادي ولا يتكلم بأنا واعية شخصية.

ومع تشكل أنات واعية مدركة يمكن أن نفهم انسياق مجموعات واعية ومستقلة بعيدة عن النخب المأجورة تعمل لتوسعة الأفق المستقبلي للوصول إلى الهدف المنشود وهو الخير العام لصالح الجمهور وهي المصلحة المشتركة بينهم.

لكن يبقى هذا العامل من جانب إيجابي اعتقد أنه غاب عن شريحة كبيرة من السوريين، والسبب أنه من منحى السلبي تكلم عنه «لوبان» بوصفه للجماهير أنها ذوات لاواعية بالكثرة اللاواعية مجموعة بربرية تقودها العاطفة، من الممكن هنا استغلالها من قبل طرف آخر يريد لها الهلاك.

علِمَ نظام الأسد سيكولوجية جمهوره وقسمها لفئات وطوائف وطبق عليهم الطريقة العكسية في حقل تجريبي، تباعًا لخصائص السلبية للجمهور في عدم وجود شيء مدروس مشترك، وتنقلها من النقيض إلى النقيض تحت تأثير المحرضات عليها، ومن هنا يمكن فهم كيفية صناعة الثورات المضادة عبر تحويل شرائح كبيرة من الجماهير إلى الطرف المستبد لتكون أداة توظيفية تنفيذ أوامر من دون أي تفكير بها، فمثل هؤلاء نجدهم اليوم في أحضان بشار الأسد، وقد رأينا مؤخرًا موضة العودة إلى الوطن وكأنَّ خللًا نفسيًا أصابهم فلم يعودوا يجيدون التمييز بين الخير والشر.