معن البياري

بلغ التلفزيون، أخيراً، عامه التسعين. وكان قد ولد على يدي بائع الخردوات الأسكتلندي جون لويجي بيرد، اخترعه جهازاً يبث صوراً متحركة، بعد تجاربَ راكم فيها على من سبقوه. وإذا كانت المسافة مهولةً بين التلفزيون (المرناة بحسب لغويين أصوليين)، بهيئته في العقد الثاني من القرن الماضي، والتلفزيون الراهن، فإن صلاتنا بهذا الجهاز، نحن المخضرمين الذين شهدنا شيئاً من بدايات ذيوع هذا الجهاز في بلادنا العربية، في قراها وبلداتها وأريافها خصوصاً، ليست الآن على النحو الذي كانت عليه، إبّان كان التمسمر قدّام شاشة التلفزيون، بالأبيض والأسود طبعاً، والبحلقة فيها، تقليداً بهيجاً، له مواقيته في المساءات.

تلك إيقاعاتٌ لا يعرفها التالون علينا، ولا التالون عليهم، ربما من التزيّد القول إنهم حُرموا منها. ولكن، يجوز الزعم إن مسرّاتنا البعيدة تلك كانت مثقلةً بالمرح والمتعة، على غير الحادث اليوم، مع التنقل اليسير بين قنوات التلفزيون التي بلا عدد، في أي وقت، وفي أي مزاج.
سيبدو محمولاً على ضربٍ من السفسطة (ما هي السفسطة؟) السؤال عن حال البشرية، لو أن جون لويجي بيرد لم يفلح، قبل تسعين عاماً، في إنتاج أول صور التلفزيون الحية المتحركة من انعكاس الضوء. الأرجح أن البشرية كانت ستتدبّر أمورها، من دون هذا الاختراع الذي أحدث انعطافةً كبرى في الثقافة الكونية، كما كانت تفعل، قبل أن يبتكر ذلك الشاب الأسكتلندي ما ابتكر. وفي الوسع أن يُضاف على هذه الإجابة (غير النابهة ربما) أن شخصاً آخر غير صاحبنا هذا كان سيُبدع هذا الاختراع، بعد 26 يناير/كانون ثاني 1926. ومع أن حضور التلفزيون في زمننا هذا فادح ونافذ، وذو أثرٍ غير هيّن، على الأفراد والمجتمعات، فإن مداركنا لا تنشغل بأمره، ولا كيف تأتّى له أن يكون بهذه الضرورة، بل وأن يصير مصدر المعرفة الأول بالعالم ومستجدّاته، أولاً بأول، وبالصورة مباشرةً إذا شئت، سواء كانت الواقعة قصفاً في ليل بهيم على وادٍ في أفغانستان، أو ركلة قدم لاعب ألماني كرةً في مرمى إيطاليا في ملعبٍ في البرازيل، أو شهقة شابةٍ تونسيةٍ تسمع اسمها فائزةً في برنامج مسابقات غنائية في بيروت.
حربٌ وحيدة على مقربةٍ من الأردن، قيّض لنا، نحن فتية سنوات السبعينيات الأولى، أن نرى على شاشة التلفزيون الأردني، دباباتٍ محترقةً فيها، وأسرى قاعدين على الرمل، وبضع صواريخ في السماء. كان ذلك في رمضان 1973. لم يكن في وارد أخيلتنا وأفهامنا الغضّة أنْ نرى ذلك كله، وكذا وصول هنري كيسنجر إلى القاهرة، مباشرةً وبالألوان. تمر تلك الوقائع على شاشة الذاكرة الآن عابرةً، غير أن الأبقى، وما زال مذاق البهجة الضافية فيه ثاوياً في مطرحه، هو ذلك الحضور الحميم لشاشة التلفزيون الأردني في تلك السنوات، لمّا كنا نأنسُ، وبمتعةٍ وفيرة، وفرحٍ غزير، إلى نهاد قلعي في “صح النوم”، وعبد المنعم إبراهيم في “حذاء الطنبوري”، ومروان حداد في “صالح المهول”، وسميرة توفيق في “فارس ونجود”، ورشيدة الدجاني وزهير النوباني وعادل عفانة ومحمود أبو غريب وقمر الصفدي في مسلسلاتٍ أردنية كثيرة. لمّا كانت حرارة البهجة دافئةً، يبثها في أعطاف البيت، فريد شوقي في فتونته، وتوفيق الدقن في تحشيشته، وياسين بقوش في هبله، وزبيدة ثروت في دلعها، وهند أبي اللمع في فصاحتها، وعبد المجيد المجذوب في رواقيّته، وعبد الرحمن آل رشي في غلاظته، وصلاح منصور في ثعلبيته، وسناء جميل في تقطيبتها، وعمر قفّاف في ريفيّته، وعصام رجّي في طربه، ورافع شاهين في حرفّيته. ومع هؤلاء وغيرهم، باقيةٌ أيضاً في البال أناقة المذيعات: زاهية عناب وسوسن تفاحة وعفاف قضماني. وثمّة المعلم غير المنسي، زهير الكرمي، في برنامجه الأخّاذ (ما زال أخّاذاً بالمناسبة) “العلم والحياة”. وثمّة أستاذنا إبراهيم شاهزادة، ينقل، وهو بالبالطو، وتسقط عليه ثلوج خفيفة، أخبار رحلةٍ للملك حسين في موسكو. .. ثمّة الكثير مما لا يغادر ذاكرة كل من هم “دقة قديمة”، من طراز صاحب هذه الكلمات التي ما كان ليسترسل بها، لولا هذا العيد التسعون.