جورج حبش: فيروز تحاكي في غنائها المشاعر النبيلة

نصري حجاج

كنت في العشرين، وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في حالة غليان داخلي، وجدل أيديولوجي ينذر بانشقاق، وكان “الحكيم” يحاول إنقاذ الجبهة، معتمداً على قوة حضوره، والمحبة التي تحملها تجاهه الأطراف المتصارعة. كان ذلك في عام 1971، وهزيمة المقاومة في الأردن لا تزال طازجة في تأثيراتها كافة.

لم تكن تجربة الأردن، وما آلت إليه من الخروج الأول من ساحةٍ مهمةٍ على حدود فلسطين، لتمر من دون ارتداداتٍ على الصعد الداخلية. وكانت الجبهة الشعبية عرضةً لتصدعاتٍ داخليةٍ، كونها التنظيم الأكثر جموحاً أيديولوجياً في تلك المرحلة، والأكثر مثاليةً في رؤيتها للصراع مع إسرائيل والواقع العربي، وربما الأكثر ضبابية في فهم النظرية الماركسية اللينينية، وإرباكاً في استيعاب التجربة الاشتراكية العالمية، وضياعاً بين التجربتين، السوفييتية والصينية. ولم يكن هناك مفكرٌ واحدٌ داخل الجبهة يمكن اعتماده مرجعاً نظرياً، وسادت مفاهيم تبسيطية التنظيم للفلسفة الماركسية، في تلك المرحلة الحساسة من تطور العمل الوطني الفلسطيني وفقدان الأرضية الصلبة التي وقفت عليها المقاومة.
كان جورج حبش، في سياق ترميم التصدعات والشروخ التي أصابت الجميع نتيجة هزيمة الأردن، قد طرح مقولة نظريةٍ، الهدف منها نبيلٌ وصادق، في النظر إلى واقع الجبهة والواقع النضالي الفلسطيني، كي يتم تجاوز حالة الخسارة، بعد أحداث أيلول السبعين. وتتلخص بإمكانية تحول حزب برجوازي صغير، أي الجبهة، إلى حزبٍ للطبقة العاملة، مما أثار نقاشات حادة في التنظيم من أطرافٍ تقف على طرفي نقيض، طرف يرى استحالة هذا التحول، لأسبابٍ نظريةٍ كثيرةٍ، وطرف فوجئ بأن الجبهة حزب برجوازي صغير أصلاً، ويمكن أن يتحول إلى حزب ماركسي لينيني! قدمت المقولة إلى خلايا التنظيم لنقاشها، وعقدت مؤتمرات في المناطق للنقاش، وكان على الحكيم أن يذهب بنفسه إلى تلك المؤتمرات، لمناقشة الكوادر الذين كان بعضهم لا يعرف ما هي الماركسية اللينينية أصلاً، حتى أن بعضهم كان يأتي إلى قاعات المؤتمر من المسجد بعد صلاة المغرب، وهو على وضوء، على أمل الانتهاء من ذلك النقاش، والرجوع ثانية إلى المسجد لأداء صلاة العشاء.
رافقت الحكيم مع مرافقيه الرسميين إلى مؤتمر صيدا في بداية عام 1972، قبل الانشقاق الذي حدث في أبريل/نيسان من العام نفسه. كنا في سيارته متوجهين من بيروت. وكانت هذه المرة الأولى التي أتحدث معه في شؤون غير سياسية، وكنت مهتماً أن أعرف آراءه حول الثقافة عموماً، فسألته عن فيروز وما رأيه بها، وسألته عن نزار قباني وشعره، وعن شعر محمود درويش وسميح القاسم الذي وصل إلينا عبر كتاب غسان كنفاني “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة”. وقد أبهرني الحكيم بسعة اطلاعه، وحبه فيروز التي قال عنها إنها، حتى وهي تغني عن الحب، فهي تحاكي المشاعر النبيلة عند الإنسان المقهور. وذكر لي أنه تابع كتاب غسان كنفاني، وهو ما يزال قيد الإعداد، وأنه عمل رائع ومفيد. وصلنا إلى صيدا، قبل موعد المؤتمر، فدعوت الحكيم إلى بيتنا في المخيم، وكم أسعدني أنه لبى الدعوة. توقفت السيارة في حارتنا، ومشينا في الزاروب المؤدي إلى بيتنا، وكنت فخوراً. كان الوقت مساءً، ولم تكن أزقتنا مضاءة. ومع ذلك، لمحه بعض الجيران الذين هرعوا للسلام عليه. شربنا القهوة في البيت، ثم توجهنا إلى قاعة المؤتمر، والشاب الصغير الذي كنته كان منتشياً بزيارة الحكيم بيته في المخيم.
التقيت الحكيم، للمرة الأخيرة، قبل وقت قصير من رحيله، في منزل فاروق القدومي في تونس، لكنه لم يتذكّرني، فقد كان مرضه قد ذهب بذاكرته إلى البعيد، ربما إلى مقولة تحول حزبه البرجوازي الصغير إلى حزب الطبقة العاملة والمآلات التراجيدية البنيوية والفكرية والسياسية لهذا الحزب اليوم، وربما إلى الورثة، الذين حملوا الحزب اليوم إلى الأحضان الدافئة لولي الفقيه في إيران.