وائل قنديل

تخيّل أنني كتبت في أحد أيام يونيو/ حزيران 2011 ما يلي:  “القواسم المشتركة بين جماعة الإخوان المسلمين وبقية القوى السياسية، خصوصاً الجديدة التي أنجزت الثورة، أكبر بكثير من الاختلافات بينهما. ولذلك، يبدو غريباً الغمز واللمز بينها والذي ينذر بما هو أسوأ. يجمع الفريقان أنهما تعرّضاً للظلم والتنكيل والمطاردة من النظام السابق، وبالتالي، فلا يحق لفريق أن يمارس نفس السياسة ضد الآخر حتى لو كان عنفا لفظيا. يجمع الفريقان إيمانهما بالحريات، طبقاً لما نسمعه منهما ليل نهار”.

ثم تخيّل أنني عدت وكتبت الآن، في العيد الخامس للثورة، محذراً من خطورة الخلط بين ثورة يناير والإخوان، ويقول “من أكثر الأخطاء شيوعاً في الحياة السياسية المصرية منذ 25 يناير 2011، وحتى هذه اللحظة، أن كثيرين يربطون ربطاً آلياً بين جماعة الإخوان وثورة يناير، وكأنهما توأمان سياميان لا ينفصلان”. تخيّل أنني كنت ألبي كل دعوات الغداء والعشاء والسحور والإفطار الموجهة من مكتب الإرشاد، وأعود أكتب غزلاً غير عفيف في موائد “الإخوان” العامرة بكل ما لذ وطاب من اللحوم والفراخ، وبعد سنوات عدت، لأقول إن “الإخوان” جماعة إرهابية معادية، لا تنتمي لهذا الوطن. ماذا ستقول عني، لو كنت قد فعلت ذلك، وقفزت من قمة المداهنة إلى سفح التخوين والتكفير؟

كتبت عن هذه الظاهرة في ذروة الاستقطاب العنصري الطائفي، تحضيراً للانقلاب في ذلك الصيف من 2013، مندهشاً من أن بعضاً من هؤلاء الممتلئين نشوةً وشهوةً لتطهير مصر من مصريين آخرين، يوصمون بأنهم قوات احتلال، هم أنفسهم الذين تغنوا ببسالة الإخوان المسلمين وبطولاتهم في إنقاذ ثورة يناير العظيمة من الفناء على أيدي عصابات نظام مبارك، يوم موقعة الجمل. الآن، يبدو أن خروج تظاهرات في مناطق عدة إحياءً لثورة يناير، في ذكراها الخامسة، أصاب بعضهم بلوثة، فراحوا يشتغلون على محورين. الأول تقف عليه لميس جابر ومصطفى بكري وآخرون من اليمين السيساوي المتطرف، ويعمل على نسف أية جدارة سياسية وأخلاقية وإنسانية لثورة الخامس والعشرين من يناير، ويعتبرها مؤامرة أميركية صهيونية استعمارية. أما المحور الثاني، والذي ينشط فيه اليسار السيساوي، فيشتغل على إخراج جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي من معادلة الثورة، بحيث يتواضع هؤلاء كثيراً، فيعترفون بالثورة، لكنهم يمارسون عليها أنواعاً من الإقصاء والفرز الأيديولوجي المقيت، بما يخدم الفكرة الأساسية التي بنيت عليها عملية السطو المسلح على التجربة الديمقراطية، تحت قيادة العسكر “جيش وشرطة” في الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013.

الفيلق الانقلابي الناشط في المحور الأول، إنكار وقوع الثورة أصلاً، يبدو أكثر اتساقاً مع ذاته، كون أصحابه لم يدّعوا يوماً انتساباً لثورة يناير، فالثابت أنهم يناصبونها العداء منذ اليوم الأول. وتبقى المعضلة في أعضاء الفريق الثاني، أولئك الذين انقلبوا على أنفسهم، وعلى آرائهم المثبتة، وقد كتبت عنهم “الذين يدعونك للانقلاب على أول معطى ديمقراطي لمصر الثورة اليوم، ويدفعونك للإمساك بالسيوف لنحر الخرفان، هم أول من تحدث عن فضائل الإخوان وأفضالهم على ثورة يناير، حين تشبثوا بمواقعهم في الميدان، يذودون عن الثورة، ويموتون دفاعاً عن المتظاهرين في لحظة انصرف فيها عديدون، متأثرين بالخطاب العاطفي للمخلوع الذي ابتز به المشاعر، ونصب كميناً، كادت تسقط فيه الثورة وتنتهي إلى غير رجعة”. ماذا يقول اليسار السيساوي لنفسه، حين يقف أمام مرايا “غوغل ويوتيوب” العاكسة بدقة للآراء السابقة، والراصدة للتحولات والتقلبات ورشاقة القرود في القفز من مائدة إلى أخرى، والانتقال الدرامي المثير من لحوم الإخوان إلى شحوم السيسي؟