خليل العناني

لم تكتف بعض قوى اليسار العربي التقليدي ورموزه بالخروج من التاريخ، بعد فشلها فى تحقيق أية إنجازات بعد موجة “الربيع العربي”، وإنما انزلق بعضها إلى دعم السلطويات العربية وتأييدها، منذ بدء موجة الثورات المضادة. وفي الوقت الذي لامت فيه بعض هذه القوى والرموز الحركات الإسلامية، لضعف إيمانها بالقيم الديمقراطية، باتت هي نفسها من أكثر الرافضين لقواعد الديمقراطية ومخرجاتها، بل وساهمت بالانقلاب عليها، كما حدث في مصر صيف 2013.


قبل أيام، جمعني لقاء أكاديمي باثنين ممن يُقال إنهم ينتمون لليسار العربي التقليدي. أحدهما يوصف بأنه شاعر وكاتب علماني والآخر من بقايا الرموز اليسارية في المشرق العربي. وبينما غرق الأول في ترويج الديكتاتوريات العربية، من باب الحفاظ على “الاستقرار” وعدم الانزلاق باتجاه الفوضى، تحدث الثاني عن يسارٍ عربي غير موجود إلا في خيالاته، ويبدو أن الرجل قد توقفت متابعته أخبار اليسار وتطوراته عند مرحلة الستينيات التي لم يخرج منها حتى الآن. لذا، لم يكن غريباً أن يدافع الأول عن قمع النظام الحالي في مصر وعنفه، بل ويعتبر ذلك ضرورة من أجل الحفاظ على الدولة، وضمان تماسكها. تحدث الرجل بلغةٍ تملأها الشماتة في الثورات العربية، وتقمّص شخصية الجنرال عبد الفتاح السيسي، وهاجم، من طرف خفي، ثورة 25 يناير، باعتبارها أساس البلاء وتدهور الأوضاع في مصر. وكما كان متوقعاً، فقد حمل كلا الرجلين على الإسلاميين، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين، واعتبراها أساس البلاء والشر في العالم العربي.
ليس هناك مشكلة في أن يكون للرجلين موقف من تيارات الإسلام السياسي، فأنا أيضا أرفض الكثير من أفكارها وأيديولوجيتها، لكن المشكلة في انحيازهما الفج للديكتاتوريات العربية، والاستسلام لمنطقها في تفسير الوضع الراهن في المنطقة، بل واعتبار أن المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة سبب للفوضى وعدم الاستقرار. لذا، لم يكن مفاجئاً أن تصطف قوى ورموز يسارية مصرية وعربية في معسكر السلطة في مصر، وأن ترى في انقلاب السيسي إنقاذاً للبلد مما سموها “الحرب الأهلية”، في حين تتولى قوى ورموز يسارية أخرى الدفاع عن جرائم بشار الأسد في سورية، وتسعى، جاهدةً، لكي تكون جزءاً من التفاوض باسمه في مفاوضات جنيف الجارية.
لست، هنا، بصدد عقد محاكمة سياسية لفصيل وتيار فكرى عربي، كان في الماضي يتقدم الصفوف، ملهماً ومشجعاً للجماهير على التغيير والخروج للمطالبة بحقها، وإنما هي محاولة لتقييم حالة التدهور والتحجر التي أصابت رموز هذا التيار وقياداته. بل الأكثر غرابة أن يتعاطى بعض الشباب مع رموز اليسار العربي، وكأنها “أبقار مقدسة” أو “أيقونات”، لا ينبغي انتقادها أو الاقتراب منها، وهم في ذلك تفوقوا على ما يرمون به خصومهم الإسلاميين. أما المفارقة فهي عدم قبول كثير من هذه الرموز أي نقد، ولو موضوعيا، يوجه لأطروحاتهم وأفكارهم، بل واعتبار أن كل من يختلف معهم هو، بالضرورة، إما داعم لخصومهم أو أنه أقل وعياً منهم ومن أطروحاتهم. وهو ما يعكس قدراً كبيراً من النزق والغرور الفكري.
قطعاً، لا يمنع ذلك من القول إن رموزاً أخرى في اليسار العربي التقليدي قدمت مراجعات فكرية ثمينة، ونجحت في الخروج من شرنقة الماضي، كي تجدد أفكارها وأطروحاتها، بل وتقدم بعضها، ولا يزال، الصفوف دفاعاً عن “الربيع العربي”، وبات ملهماً لكثير من الشباب الطامح للحرية والعدالة والكرامة.
خسرت بعض قوى اليسار العربي معركة الماضي، ويصرّ بعضها على أن يخسر معركة المستقبل، من خلال الاصطفاف ودعم السلطويات العربية، ويتصوّرون، خطأ، أن قطار التغيير سوف يتوقف عند هذه المرحلة البائسة في تاريخنا العربي.