استعادة عمر بنجلون حاجة مغربية لتجديد اليسار

حسن طارق

خلّدت الأسرة التقدمية واليسارية المغربية، في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، الذكرى الأربعين لرحيل القائد السياسي والنقابي الاتحادي، عمر بنجلون (1934-1975) الذي كان أول ضحايا الإرهاب الديني في المغرب. هو الذي يعد، إلى جانب المهدي بن بركة، من أكبر الشخصيات اليسارية التي طبعت، في حياتها وموتها، التاريخ السياسي الحديث لبلدهم.


ينتمي بنجلون إلى تقليد نادرٍ في الحياة السياسية المغربية الحديثة، تقليد الجمع بين الفكر والسياسة. وهو بذلك يشكل داخل جيله امتداداً للثالوث اللامع للحركة الوطنية: علال الفاسي، عبدالله إبراهيم، محمد بلحسن الوزاني. على أن مضمون مساهماته الفكرية، ونزوحه التقدمي الواضح، وتعدّد واجهات نضاله. ذلك كله جعله، في الوقت نفسه، يبتعد عن نموذج مثقف الحركة الوطنية، ليقترب أكثر الى التجسيد المغربي الحي الأكثر اكتمالاً لمفهوم المثقف العضوي.
لذلك، يُشكل عُمر بنجلون، في مسار الفكر السياسي المغربي، لحظة فارقةٌ وعنواناً بارزاً، لما يمكن تسميته وعي الفعل السياسي ذاته وهويته، من خلال الابتعاد عن أنماط العفوية والتجريبية التي طالما أطّرت فاعلي السياسة، منذ زمن الحركة الوطنية.
في أواسط عقد الستينيات الرّصاصي في المغرب، داخل السجن، وتحت حُكْمٍ قاسٍ ليس سوى الإعدام، سيكتب عمر نصاً سيصبح شهيراً داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وفي أوساط اليسار داخل البلاد وخارجها. إنه المذكرة التنظيمية، الوثيقة التي لعلها أول نصّ، في السياق المغربي، ينشغل بالقضايا التنظيمية، برؤية نظرية وتجريدية لإشكاليات العمل الحزبي والجماهيري، ظلت معالجتها تقتصر على مقاربة حركية ضيقة.
عشر سنواتٍ بعد ذلك، والرّصاص لايزال جاثماً على الزمن السياسي المغربي، على الرغم من شعارات “الانفتاح”، وداخل السجن مرةً أخرى، سيكتب مسودة ما سيصبح المادة الخام للقسم الأول من التقرير الايديولوجي الذي سيعرض على مؤتمر الحزب عام 1975، والذي سيرتبط بالتحول إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وبين هذين النّصين المُهيكلين لكُل تاريخ الحركة الاتحادية واليسار المغربي، سيكتب، داخل السجن مرةً أخرى، وهو المتابع بقضيةٍ مُلفقة العام 1966، وثيقته عن العمل النقابي، والتي ضمنها خُلاصاته النظرية والتاريخية من تجربته النقابية في قطاع البريد.
تُعد المُساهمة الفكرية لعُمر بنجلون مساهمة كبرى، ليس فقط لأنها صنعت للاتحاديين في

“كان قادراً على أن يصهر حيواتٍ مُتجاورةً في تجربةٍ إنسانيةٍ واحدة “

المغرب أفقاً إيديولوجياً لنضالهم السياسي، ومنحت “المعنى” لحركيتهم التنظيمية والجماهيرية، بل لأنها أغنت الفكر السياسي المغربي، وشكلت، في جوانب عديدة، إحدى ثوابت الثقافة السياسية لليسار، وركناً من أركان تراثه الفكري المشترك. وهي، بالتأكيد، مُساهمةٌ ذات طبيعةٍ تأسيسية، ظلت غير قابلة للالتفاف، على الرغم من المُحاولات الطبيعية للتجاوز، والنقد وحتى النقض، خصوصاً على مستوى طبيعتها التركيبية الهائلة كمحاولة لقراءة تحولات المجتمع وهياكله، وتشكيلته الطبقية والاقتصادية، وخلفيتها الإيديولوجية المنفتحة التي استطاعت مصالحة التوجه الاشتراكي مع الاختيار الديمقراطي.
ولعل ما منحها هذا الوضع الاعتباري والرّمزي داخل أدبيات الحركة الاتحادية، وعموم اليسار المغربي، هو أصالتها من جهة، ومن جهة أخرى، إنصاتها لأرقى الاجتهادات الفكرية في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتفاعُلها مع خلاصات المُنجز المعرفي المغربي في الفكر والفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ.
لم يكتب عمر بنجلون فقط في قضايا التنظيم والنقابة والاشتراكية والصراع الطبقي، بل كتب بالذكاء الاستثنائي نفسه، والالتِزامٍ الصّارم والعمقٍ الشديد، في القضية الفلسطينية التي منحها من حياتهِ السريعة والمكثفة الكثير، حتى استحق لقب عمر الفلسطيني.
هكذا كان متعدداً، قادراً على أن يصهر حيواتٍ مُتجاورةً في تجربةٍ إنسانيةٍ واحدة. كان، في الآن نفسه، نقابياً وسياسياً، مُحامياً وصحفياً، مُنظراً وممارساً، وطنياً وأممياً.
في حياته السريعة، والمكثفة نقطة ضوء، سيلخص كل قرننا المغربي الأخير، وكل إحباطاتنا الوطنية، وكل آمال التحرّر والديمقراطية والعدالة.
لذلك، كان لابد أن نستعيده في سياق حاجة مغربية ماسةٍ الى تجديد اليسار سياسياً وتنظيمياً، وقبل ذلك فكرياً وإيديولوجياً، ولعل هذا التجديد أحسن وفاءٍ لذكرى عمر بنجلون. – See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2016/1/28/%D8%B9%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D9%86%D8%AC%D9%84%D9%88%D9%86-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1#sthash.1f1fe565.dpuf