تنفيذ فنان الكاريكاتير الأردني أسامة حجاج (تويتر)

فاطمة العيساوي

أخرجت سخرية مجلة شارلي إيبدو الفرنسية التي وجدت، أخيراً، لها مادة في غرق الطفل السوري إيلان الكردي الذي تحولت جثته أيقونة لمعاناة اللاجئين إلى الغرب، أخرجت المجلة من دائرة النقاش حول الحق بحرية التعبير، بما في ذلك السخرية من المقدّسات ومن الأديان، إلى خانة التعبيرات الشعبوية المفرطة في بشاعتها. أغلق كاريكاتور “شارلي إيبدو” القبيح الباب في وجه آلاف المؤيدين لها من أبناء جلدة إيلان الكردي وغيرهم، ومنهم آلاف هتفوا “أنا شارلي”، تضامناً مع حق المجلة في السخرية. إلا أن سخرية المجلة لا تعدو أن تكون التعبير العلني الأكثر فجاجةً لخطاب شعبوي، بات الإعلام (التقليدي والجديد) يفسح له مجالاً أكثر رحابة. يكفي أن تتابع بعض التعليقات على الأخبار والتحقيقات بشأن أزمة اللاجئين السوريين، حتى ترى فيض التعبيرات الكارهة لهؤلاء، والتي لا ترى في رحلة الهجرة الخطيرة التي يقوم بها الهاربون من جحيم الحرب سوى اجتياحٍ يحمل معه خطر الإرهاب. أضافت الاعتداءات الجنسية على نساء ألمانيات، ليلة رأس السنة المنصرمة، في مدينة كولونيا مساحةً جديدة إلى رهاب اللاجئين، والعرب بشكل عام، يختصرها قول أحد المعلقين على الحدث من القراء: “العرب ليسوا فقط بارعين بالقتل، بل أيضاً باغتصاب النساء”.


يتصارع خطابان حول أزمة اللجوء السوري: خطاب التعاطف الإنساني الذي يسلط الضوء على معاناة هؤلاء في سبيل الأمان. وخطاب آخر يحذّر مما سيحمله هؤلاء من مخاطر التطرف الديني، ونفقات اقتصادية في تحمل تبعات إيواء هؤلاء. تزداد حظوظ التيار الأول مع أي حدثٍ يستجد يظهر جانباً جديداً من معاناة اللاجئين، وترتفع حظوظ الثاني مع أي حدثٍ جديد، يجدّد المخاوف من خطر التطرف الآتي من الخارج. بين التيارين، خطاب شعبوي متنامٍ يكتفي برد كل الظواهر السلبية ذات العلاقة بالمهاجرين، أفراداً أو مجموعات، إلى اعتبار أن كل ما ينتج عن العالم العربي المسلم هو بالضرورة “متخلف” عن حضارة الغرب، وغير قابل للاندماج معه، بل إنه يشكل خطراً عليه. باتت التعبيرات في وصف الإسلام على أنه “رجعي” أمراً معتاداً يتغذى من العناوين البراقة للصحافة الشعبية التي تجد في التطرف الإسلامي في بريطانيا، والغرب عموماً، مادة دسمة للتغطية اليومية. من الصعب على قرّاء الصحافة الصفراء أن يخيل إليهم أن هنالك مسلمين، أو عربا آخرين غير مطلقي اللحى الطويلة. من غير الواقعي، أيضاً، أن لا تثير صور هؤلاء مخاوف العامة، بمن فيهم مسلمو بريطانيا. كان فيلم “الجهادي في جوارنا” من إنتاج القناة البريطانية الرابعة (شانال فور) تقصي حياة مجموعة من المتطرفين البريطانيين يعتقد أن أحدهم (غادر البلاد بعد تصوير الفيلم) هو أحد منفذي عمليات ذبح رهائن بريطانيين على أيدي داعش. الأكثر أهمية من قصة الشاب المتطرف حركة المجموعة الناشطة في ضواحي لندن، في ضوء النهار، في الدعوة إلى فكر شديد التطرف والمقاومة التي تجدها من مجموعاتٍ من المارّة المسلمين، وحتى أئمة المساجد في هذه الضواحي. ليس أبناء هذه المجموعة من اللاجئين السوريين، بل ممن ولدوا في بريطانيا، كما أنها لا تشكل نموذجاً لمجموعاتٍ واسعة من المسلمين البريطانيين، إلا أن صورة الجهادي الفجة في عدوانيتها أكثر جذبا للإعلام من صورة المواطن العادي المنسجم مع حياته اليومية في الغرب.
إلى صورة المتطرّف الذي يشهر علناً كرهه الغرب وثقافته، أضافت اعتداءات كولونيا في

“سخرية “شارلي إيبدو” لا تعدو أن تكون التعبير العلني الأكثر فجاجةً لخطاب شعبوي”

ألمانيا بعداً جديداً هو صورة المهاجر العربي، أو المسلم، مغتصب النساء الذي يهدّد حريتهن في المجال العام. ماذا جرى بالضبط في كولونيا وغيرها من المدن الألمانية، ليلة رأس السنة؟ هل كان المعتدون من اللاجئين السوريين؟ هل كانوا مسلمين؟ أشارت المعلومات الأولية للشرطة إلى أن المعتدين “ذوو مظهر شرق أوسطي أو عربي”. أما المستشارة الألمانية التي حملت مسؤولية فتح حدود بلادها أمام اللاجئين، فاعتبرت أن الجرائم مقرفة، وأن المعتدين يجب أن يحاسبوا “بصرف النظر عن مظهرهم، من أين أتوا وما هي خلفيتهم”. على الرغم من تأكيد مسؤولين محليين أن لا دليل على أن هؤلاء لاجئون، أو لهم علاقة بموجة اللجوء الضخمة التي استوعبتها ألمانيا (أكدت التحقيقات أنهم ليسوا سوريين، بل من شمال إفريقيا في غالبيتهم)، إلا أن وسائل الإعلام ألصقت التهمة بهم تلقائياً عبر ربطها بين الحدث واستيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين. احتلت العناوين المثيرة الصفحات الأولى للصحف الشعبية، منها على سبيل المثال لا الحصر، تحذير صحيفة ديلي ميل البريطانية من “موجة اغتصاب على يد مهاجرين تنتشر في كل أوروبا…”.
بما يتعدّى الصورة النمطية العنصرية التي عملت الصحافة الشعبوية على تأطيرها، وتلقفها الإعلام اليميني في ربطه المستمر بين الحدث وأزمة اللجوء السوري، خرجت إلى العلن أصواتٌ قلما كانت تجرؤ على التعبير عن نفسها حول “الاختلافات الثقافية” بين غربٍ يقدم للنساء ضماناتٍ على مختلف المستويات وشرقٍ لا تزال تناضل فيه النساء للحصول على حقوق أساسية في ما يتعلق، على سبيل المثال، بحضانة الأطفال والطلاق والمساواة في الإرث وغيرها. ليس خافياً على أحد، وليس في الإمكان إخفاء حقيقة أن التحرش الجنسي بالنساء في المجال العام يشكل جزءاً من يوميات نساء العالم العربي، في حين تنعم النساء في الغرب بحرية التجول في المجال العام، لا ينفي الأمر حوادث تحرش واغتصاب. في غالبية حالات التحرش، تعتبر النساء ضحية التحرش مسؤولاتٍ عما جرى لهن، لقيامهن بـ”استثارة” رغبات الرجال الدفينة في لباسهن غير المحتشم. ولعل تعليق الإعلامي المصري، تامر أمين، وهو نفسه متهم بالتحرش، على حادثة التحرش بطالبة في جامعة القاهرة بأنها المسؤولة عما جرى لها، بحجة ارتدائها “ملابس رقاصات”، أفضل دعم لحجة الصحافة الشعبوية الغربية في تصوير رجالنا “مغتصبين”.