أسامة أبو ارشيد

لا يخفى على أحد أن ما تسميه قيادات السلطة الفلسطينية، بدءاً من رئيسها، وإلى أصغر موظف فيها، “تنسيقاً أمنياً” مع الاحتلال الإسرائيلي، إنما هو حقيقة واقعة وقائمة منذ نشأة تلك السلطة عام 1994، غير أن هذا لا يخفف من وقع صدمة تصريحات قادة السلطة، في الآونة الأخيرة، مباهين بذلك، وغير مبالين بتداعياته. الأدهى، أن كثيراً من تلك التصريحات، والأفعال المقرونة بها على أرض الواقع، تأتي بهدف تقديم أوراق اعتماد إسرائيلية-أميركية في سياق الصراع على خلافة الرئيس الكهل، محمود عباس (أبو مازن)، في رئاسة السلطة، والتي هي، من حيث الجوهر، شئنا أم أبينا، إحدى أدوات البنية الاستخرابية الاحتلالية الإسرائيلية وتثبيتها، وقادة هذه السلطة لا بد أن يخضعوا لمعايير الاحتلال لشغل مناصبهم. هذه حقيقة، مهما حاول كثيرون المجادلة في الأمر.


ضمن المعطى السابق، لم تكن تصريحات اللواء ماجد فرج، رئيس المخابرات العامة الفلسطينية في الضفة الغربية، لمجلة “ديفينس نيوز” الأميركية، في الثامن عشر من يناير/كانون ثاني الجاري، والتي فاخر فيها بأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية منعت منذ انطلاق انتفاضة القدس، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أكثر من 200 عملية ضد إسرائيل، وصادرت أسلحة، واعتقلت أكثر من مائة مقاوم، خروجاً عن كُنْهِ هذه السلطة، وما أقيمت من أجله. فهي، من ناحية، جيء بها لترفع الأوزار والكُلَفَ الاقتصادية عن عاتقي إسرائيل، عوضاً عن الاحتلال المباشر للفلسطينيين. ومن ناحية أخرى، لكي تبقي ذراع الاحتلال الأمنية والعسكرية حاضرة وباطشة بينهم عبر آلية ما يسمى “التنسيق الأمني”، وهو الاسم “الدبلوماسي” لـ”العمالة الأمنية”. ومن المفارقات هنا، أن فرج، لا يحاول حتى أن يستر الحقيقة المخزية الأخيرة، وذلك في “شكوى مُرَّة” للمجلة من حادث وقع في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما اقتحمت قوة إسرائيلية خاصة مستشفى فلسطينياً في الخليل، لتغتال أحد نشطاء حماس الراقدين فيه. حسب تلك “الشكوى”، فإن القوات الإسرائيلية أعلمت نظيرتها الفلسطينية بالأمر، والتي انسحبت من المكان، غير أن تلك القوة لم تكتف بتصفية ناشط حماس المصاب في عملية هجوم على مستوطن، بل إنها، أيضاً، قتلت أحد أقاربه “من غير المتورطين” في العملية.
لاقت تصريحات فرج تلك تنديداً من فصائل وقوى سياسية فلسطينية كثيرة، غير أن عباس

“انتفض عباس للدفاع عن ماجد فرج وأبى إلا أن يعيد ترسيخ الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية”

انتفض للدفاع عنه، وأبى إلا أن يعيد ترسيخ الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية. ففي مؤتمر صحافي، عقده في الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني الجاري، في مكتبه في رام الله، قال إن التنسيق الأمني مع إسرائيل مستمر. وأضاف: “التنسيق الأمني قائم. حتى هذه اللحظة … نقوم بواجبنا على أكمل وجه. نعم نمنع أي عمل بدو يصير هون أو هون (يحدث هنا أو هناك)”. وتابع: “مهمة الأمن أن يمنع أو يحول دون اضطراب حبل الأمن. يعني أي أحد يحاول يشتغل ضد الأمن .. متفجرات .. سلاح .. خلايا .. يلقى القبض عليه.. ولا يهم إلى أين يذهب بعد ذلك”. ودافع عباس عن منع الأجهزة الأمنية المتظاهرين من الوصول إلى أماكن الاحتكاك مع القوات الإسرائيلية أو اعتقال أشخاص، وقال إن الأجهزة الأمنية تريد حماية الفلسطينيين و”حماية البلد”. وأضاف: “الأجهزة الأمنية تقوم بواجبها بأوامر مني. أنا لا أسمح لأحد أن يجرّني إلى معركة لا أريدها”، مشيرا إلى أنه لا يريد خوض “معركة عسكرية”. وقال عباس “الهبة الشعبية نحن معها… ونحن متفقون عليها، المقاومة الشعبية السلمية لا حد يزيد ولا حد ينقص”.
بعيداً عن حديث عباس عن “التنسيق الأمني”، والذي هو معلوم ومؤكد ولا جديد فيه، فإن المشكلة الأبرز تكمن في خيارات الرجل وسلطته. فهو لا يريد أن يُجَرَّ إلى معركةٍ لا يريدها، كما يقول، ثم يؤكد أنه مع “الهبة الشعبية.. المقاومة الشعبية السلمية”، غير أنه عملياً، على الأرض، لا هو مع هبة شعبية سلمية، ولا هو قادر على استئناف المفاوضات بسبب تعنت إسرائيل وإيصالها إياه، وسلطته، إلى حائط مسدود، وهو الواقع الذي يقر به “كبير المفاوضين”، صائب عريقات، في تقرير “ديفينس نيوز”، المشار إليه سابقا. ثالثة الأثافي أن عبّاس يفاخر، من دون خجل ولا وجل، بـ”التنسيق الأمني” مع إسرائيل، في الوقت الذي ما زالت فيه قوات الأخيرة تعدم، بدم بارد، ومن دون محاكمة، أبناء شعبه في الشوارع والطرقات وعند الحواجز، بزعم محاولتهم تنفيذ عمليات طعن ضد جنودها ومستوطنيها. وحسب دراسة إحصائية أصدرها مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني، قبل أيام، فإن عدد شهداء انتفاضة القدس، بلغ، منذ انطلاقتها، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2015، وإلى السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني الجاري، 167 شهيداً، منهم 32 طفلا، بنسبة 19 %، و13 شهيدة، بنسبة 7 %.
ولا يتوقف تيهان السلطة عند ذلك الحد، ففي وقتٍ يؤكد فيه قادتها استمرار “التنسيق الأمني”، ويباهون به، ربما بهدف “إطراب الأذن” الأميركية، فإن ثمة إعلاناً إسرائيلياً، وتأكيداً فلسطينياً رسمياً، عبر “المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان”، أن إسرائيل تقوم، في الآونة الأخيرة، و”بشكل محموم”، بالاستيلاء على أراض فلسطينية في المنطقة المصنفة “ج”، الخاضعة أمنياً وإدارياً للسيطرة الإسرائيلية، وتشكل ما نسبته 60 % من أراضي الضفة الغربية، وتقوم بتحويلها إلى “أراضي دولة” بهدف تمكين المستوطنات من التوسع بغطاء تعتبره سلطات الاحتلال قانونياً. وبالمناسبة، فإن منطقة “ج” المحتلة، هي المنطقة الوحيدة في الضفة الغربية المتواصلة جغرافيا، وهو ما يلغي أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة دونها. المشكلة الأخرى هنا، أن إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ليست في وارد محاولة إحياء جهود التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية في عامها الأخير، خصوصاً وأن أوباما لم يأت على ذكر الأمر ضمن أولويات سياسة إدارته الخارجية في عامها الأخير في السلطة، في خطابه عن “حالة الاتحاد” قبل أسبوعين. أيضا، قبل أقل من أسبوعين، مرت الذكرى العاشرة على الحصار الوحشي، الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة، غير أن هذا لم يستدع تصريحاتٍ غاضبةً من الرئيس وحاشيته، وأنّى لهم ذلك، وهم شركاء في الحصار، ولا نلقي الكلام هنا على عواهنه، فأبو مازن نفسه أقر، من قبل، أنه صاحب فكرة إغراق نظام رئيس الانقلاب في مصر، عبد الفتاح السيسي، حدود غزة مع مصر بمياه البحر.
باختصار، سياسات السلطة الفلسطينية تجاه الاحتلال لا تعاني تيهاناً وافتقادا للبوصلة فحسب، بل إنها تندرج، كذلك، في سياق الابتذال في العلاقة معه، ومحاولة إرضائه، خصوصاً وأن ثمة أخباراً تتوالى عن أن أبو مازن ليس في وضع صحي جيد، وهو ما أطلق عنان سباق التنافس على خلافة الرجل، وهذا لن يتمَّ لأحد من دون مباركة إسرائيلية-أميركية بالدرجة الأولى.