السيسي يبكي في احتفالية عيد الشرطة (23 يناير/2015/يوتيوب)

سيف الدين عبد الفتاح

حينما يكون البكاء غطاءً، يخفي الشقاء والبلاء، يستر الضعف والخواء، يحمل الزيف والرياء. قالوا مرةً إن قائد الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، بكى في لقاءٍ مع إعلاميين انقلابيين، حين تحدث عن رسائل ترد إليه من الفقراء، الذين لا يجدون قوت يومهم. وقال السيسي المنقلب: “بتجيلي رسايل من ناس مش لاقية تأكل، وتقول لي مابناكلش وقابلين عشان خاطرك”. ووقتها اختنق صوته، ودمعت عيناه. بكى من أجل الفقراء، فماذا فعل فيهم ولهم؟ وماذا فعل للأغنياء سوى أن ساعدهم في فسادهم؟ زاد على الفقراء الضرائب حتى أثقل كواهلهم، ارتفعت الأسعار حتى افترستهم. قال لهم مفيش، معنديش، مش قادر أديك، وأعطى، بل أغدق على، سدنته من أذرعه الإعلامية، وخدمه من المثقفين والفنانين، وقضاته الجائرين وحماته من شرطة وجيش يؤمنون كرسي سلطانه المهين. أليس هو القائل، بعد رفض برلمان القراطيس والمناحيس والمتاعيس والملاحيس قانوناً واحداً من مئات القوانين، التي أصدرها في فترة الغفلة والإغفال التشريعي، وقال إن جهازه الإداري لا يحتاج منه فقط إلا مليوناً من سبعة ملايين. ولهذا، فإنه يعطيهم فقط الكلام المعسول وخطاباً فائض الكلام الفارغ من كل معنى، خطاب نور عنينا الذي لا يغني ولا يسمن من جوع. بكى من أعدم المعدمين، بكى من أجلهم كما ادعى أو عليهم، لكنه بكاء الزور والرياء، فيجوعون ليشبع ويموتون ليحيا، ويهتف “تحيا مصر”. ولكن، بدون شبابها، تحيا مصر بإفقار أهلها وبقتل شبابها، قتل الأمل قبل تسليمهم إلى قبورهم.


تداول ناشطون على “يوتيوب” فيديو يظهر فيه إعلامي مصري، وهو يقول إن وزير الدفاع، المشير عبد الفتاح السيسي، “كان لما نصلي الظهر يجهش بالبكاء، وهو يصلي من الآيات ولآخره”، مما دفع كثيرين إلى كتابة تعليقات ساخرة، فقد علق ناشط على الفيديو: “آيات مين اللي يجهش عليها، صلاة الظهر سرية يا (…)”، فيما وافقه آخر موضحاً “القراءة في صلاة الظهر سرية (…) فكيف يبكي السيسي لما يصلوا فيه صلاة سرية؟”. وقالوا، مرّة، إن المشير عبد الفتاح السيسي، المرشح لرئاسة الجمهورية في مسرحية الانتخابات الرئاسية الهزلية، حاكياً عن عزل الرئيس السابق، محمد مرسي، إنه لم يكن يستطيع أن يظل ليشاهد الناس تتألم. وأضاف السيسي المنقلب باكياً، في لقائه مع وفد الطرق الصوفية، “يا رب، يكون ده عمل يرضي ربنا، ويجعل فيه الخير كله”. أي خير يأتي من انقلابك، واختطاف رئيس منتخب، وأي ألم أنقذت الناس منه، وقد أمعنت في القتل والحرق والخنق، وبنيت السجون والمعتقلات، واعتقلت ما يقارب الخمسين ألفاً، وطاردت عشرات الألوف وشردت الألوف في شتى البلاد، وقهرت ملايين العباد؟ أهكذا يمكن ترضي ربنا؟ الله بريء من فعلك وبطشك وقمعك، من اعتقالك ومطاردتك. دعا المنقلب أن يكون انقلابه يرضي ربنا وشفعه بالبكاء الزائف. يا الله، عندما يبكي السفاح الذي أخذ السلطة سفاحا.
قالوا، مرّة، لحظة بكاء السيسي، متأثراً بشدة في أثناء حديثه عن مرض فيروس سي، إنه بكى

“في كل مرةٍ، يبكي المنقلب في مواقف شتى بكاء الزور والبهتان”

بكاءً مراً من أجل هؤلاء الذين يحصدهم المرض بلا رحمة، فماذا فعل قبل بكائه وبعده؟…. باعهم الوهم، وخدعهم بالحلم، وتاجر بمال الفقراء في الصحة والشرفاء. أوهمهم بجهازٍ خطير يشفي الأكمه والأعمى ومع تطور الأمراض، يشفي الإيدز وفيروس سي اللعين، جهاز الكفتة الشهير للمخترع الهمام اللواء عبد العاطي. وعندما تبينت وهميته، لم يحرّك أحدٌ ساكناً. على الرغم من أن المنقلب الباكي قد حضر تدشين جهاز العلاج بالكفتة لفيروس سي، في حضور البائس الرئيس المؤقت، “الطرطور”، عدلي منصور. بكى بكاء التزوير، بكاء الغطاء ببيع، والمتاجرة بأوهام الشفاء، فلم يدفع بكاءٌ مرضاً، ولا جلب شفاءً، بكاء الأفاعي ببيع الأماني.
عندما يتحدَّث السيسي، ويقول، وهو يصطنع بكاء التمثيل، إنه حمى الإسلام في مصر… كان من الممكن تصديق ذلك، لو أنه لم يقتل الألوف، ويأمر، بصفته قائد الانقلاب والمسؤول الأمني “رقم واحد”، باغتصاب الفتيات، وهَتك الأعراض، وسَجن الأحرار والمعارضين، فهو بكلامه يُعلِن أنه منافقٌ وكذَّابٌ أشِر، وأنه فرعون مصر الجديد الذي استخف قومه بالتمثيل، والراقصات والسحرة، وهو يمارس نظرية الاستخفاف التي جاء بها فرعون.. حكاها القرآن: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}، ويقينًا الإسلام بريء من أفعاله.. وخصوصاً بعد أن أوغل في إراقة الدماء المعصومة في أنحاء مصر كلها، لكي يثّبت أركان الحكم الذي اقتنصه بالقوة والغصب، معتدياً على استحقاقات انتخابية، مختطفا رئيساً مدنياً منتخباً. هل، بعد ذلك، يصلح البكاء أو التباكي على إسلامٍ أردت تأميمه واغتصابه من جملة ما اغتصبت؟ بكاء الشيطان عندما يعظ، حتى يصدقه الغافلون.
مخاطباً عواطف الشعب المصري؛ اهتم الإعلام المصري، في الأيام القليلة الماضية، بترويج ما اصطلح عليه إعلاميا بـ “الدمعة التي يحبسها، أو تفرّ من عينه الدالة على عاطفيته ورهافة حسه وإنسانيته الفياضة. المنقلب يبكي مرة حزناً على أحوال الفقراء”، ويبكي، مرة أخرى، تأثراً بمرضى فيروس سي مرة، وشهداء مصر مرات، وأبناء الشهداء الصغار، والآباء الكبار لشباب استشهدوا، مرة أخرى تتناقل المواقع الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وهو يغالب دموعه، ليسيل القليل منها على وجنتيه وهو يستمع لأب فقد ثلاثة من أبنائه، وهو يحمل طفلاً رضيعاً، على الرغم من أنه قاتلهم في معركة الإرهاب المحتمل التي اصطنعها. ونسي أن يبكي طفل “رابعة” الذي ينادي أمه، وآباء قتلهم بدم بارد، فيتم أطفالهم وفقدوا عائلهم، وفتيات في عمر الزهور ونساء وأمهات.
خرج علينا طابور من جوقة الإذاعيين والإعلاميين ورؤساء تحرير تناولوا “سر الدمعة التي حبسها المنقلب”، أو الدمعة التي فرّت من مقلته، أو الدمع الذي انهمر في بعض اجتماعات خاصة، سواء في برامجهم أو صحفهم. وها هو أحد رؤساء تحرير صحيفة مرموقة، كان المشير المنقلب السيسي يستمع إلى الأرقام، التي تواجهها المرأة المصرية في تجهيز ابنتها للزواج، فلمح دمعةً تكاد تسقط منه تأثراً بالواقع الصعب، لكن الرجل حبسها في النهاية.
في كل مرةٍ، يبكي المنقلب في مواقف شتى بكاء الزور البهتان، وفي كل مرةٍ، كان يبكي على الإنسان كان يسحق فيه معنى الإنسان، هل لا زلتم تصدّقون، الغادر الممعن في الطغيان الهادم لكل عمران، القاتل لمعنى الإنسان؟.